كن من الساخرين
خالد خلاوي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
قبل أكثر من عام قررت اعتزال كتابة المقال مع أنني لست ذا تاريخ طويل ومكانة مرموقة في الكتابة حتى يمكن أن أسمي هذا التوقف (اعتزالا)، لكن التسمية راقت لي بصفتها كانت تعبر عن إنهاء التزام مرهق، خصوصا أننا - كتاب الرأي- نتصيد الأحداث ونحللها لنخرج منها بالمقالات، ما يجعل الحدث العابر في عيون الناس ظرفا لمئات الكلمات بالنسبة إلينا. كان التوقف فرصة استجمام مهمة بالنسبة لي، خرجت خلاله من قالب الكاتب وانهمكت في أدوات الإعلام الجديد ومعظمها – كما هو معلوم- خفيف على النفس بعيد عن رقابة المحرر، متحلل من ضغط الجمهور، بالإضافة لكونه خاليا من الالتزام سواء في الوقت أو المضمون هذه البحبوحة اللذيذة أغرتني بإتمام تمردي على طبيعة كاتب الرأي، وقادتني للسخرية من الأمور. يالها من مفارقة: أن تتحول من محلل مهتم بترجمة الأحداث اليومية لأجوبة وسؤالات، إلى متهكم بعظائم الأمور مستخف بأجل الوقائع، بالأمس كنت تصنع من هذه الحبة قبة واليوم تصف هذه القبة بأنها حبة، لم يتغير فكرك ولا قناعاتك، لكنك كنت لفترة من الزمن متقيدا بكونك كاتبا صحفيا راضخا لعقلية تحليلية ومحملا بمجموعة من الرسائل والقيم ترى أن من واجبك تبليغها للقارئين، وفي لحظة أصابك الفتور أو الملل – أو الإحباط- فأودت بك ردة الفعل إلى التطرف المضاد، مهما كان توصيفك لهذه الحالة لا تستطيع إنكار تأثيرها الإيجابي على نفسيتك. حين لا تعود قادرا على إيصال رسالتك، وتصير مضامين خطابك جوفاء بفعل الرقيب العتيد أو بفعل النفس (الخوافة)، فاستمرارك في الكتابة عبث، توقف عن الجدية مباشرة وابدأ بالسخرية، اسخر من عجزك ومن مرارة واقعك، اسخر من الأخطاء ومَن فعلها ومَن حال دون انتقادك لها، هكذا فقط يمكن أن تحفظ لقلبك عمرا أطول وبالتالي تضمن لأفكارك الجيدة فرصة أفضل للظهور مستقبلا، إن أولئك الذين أخذوا على عاتقهم إصلاح الخطأ فورا - حتى في الظروف المستحيلة- لا يعمرون طويلا، إما أن يموتوا موتا حقيقيا جراء ذلك – وبالتالي يموت تأثيرهم المباشر- أو تموت عزيمتهم للتصحيح حين يدهسها الواقع.
إن رفع سقف الحرية في الكتابة الصحفية مطلب رئيس، لأنه الضمانة الوحيدة لاستمرارية الفائدة من الكتابة – وصحيفة مكة هي أملنا الأخير في هذا- نحن نكتب لننتقد لا لنطبل أو نهلل، فبالنقد البناء تُصلَح الأخطاء وترتقي الشعوب، وإذا انعدمت هذه الخاصية – أعني الحرية في الكتابة- فقدت الكتابة من الأهمية بقدر ما فقدت من الحرية، حتى تصل في بعض الوسائط الإعلامية إلى كونها حروفا خالية من الروح يرى القارئ شحوب عناوينها قبل أن يجس برودة كلماتها.
وإذا لم تحقق مآربك من الكتابة هذه المرة أيضا فما الضير من السخرية مرة أخرى؟ الدنيا زائلة والنفس واحدة وأنت لست ملزما إلا بعبادة الله «فسبح بحمد ربك»، ثم اسخر من أمور الدنيا كما تشاء.
إن رفع سقف الحرية في الكتابة الصحفية مطلب رئيس، لأنه الضمانة الوحيدة لاستمرارية الفائدة من الكتابة – وصحيفة مكة هي أملنا الأخير في هذا- نحن نكتب لننتقد لا لنطبل أو نهلل، فبالنقد البناء تُصلَح الأخطاء وترتقي الشعوب، وإذا انعدمت هذه الخاصية – أعني الحرية في الكتابة- فقدت الكتابة من الأهمية بقدر ما فقدت من الحرية، حتى تصل في بعض الوسائط الإعلامية إلى كونها حروفا خالية من الروح يرى القارئ شحوب عناوينها قبل أن يجس برودة كلماتها.
وإذا لم تحقق مآربك من الكتابة هذه المرة أيضا فما الضير من السخرية مرة أخرى؟ الدنيا زائلة والنفس واحدة وأنت لست ملزما إلا بعبادة الله «فسبح بحمد ربك»، ثم اسخر من أمور الدنيا كما تشاء.
