خطوات مدروسة لمجتمع آمن!
نجيب عصام يماني5 دقائق للقراءة

حجم الخط
أدرجت وزارة التربية والتعليم أخيراً وحدة دراسية كاملة في منهج التوحيد تتحدث عن مساوئ التشدد في الدين والغلو فيه وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع، وأن التشدد في الدين يفسد العقل ويطمس الفطرة، وأنه يقود إلى الوثنية وتأليه البشر. واكتفت الوزارة بأن جعلتها مقتصرة على المرحلة المتوسطة، وفي رأيي أنها يجب أن تكون في المراحل الدراسية الأولى للطالب لزرع الاعتدال والوسطية في عقله ووجدانه. وهذه خطوة مباركة تحمد لهذه الوزارة التي لم يحارب مثلها أحد من المتشددين وأصحاب الهيمنة الفكرية والرأي الواحد، وهي خطوة مهمة في إصلاح سياسة التعليم والنشء بأكمله. واليوم منعت وزارة التعليم العالي استقدام أكاديميين بنظام التعاقد من إحدى الدول العربية تجنباً لدخول المتطرفين إلى مرافقها ومنع تحويل الجامعات إلى منابر للأجندات المشبوهة. وألهم الله الأمير خالد الفيصل ليطهر مدارسنا من أصحاب المنهج الخفي.
واجبنا أن نقف صفاً واحداً ضد مسببات الإرهاب ونسقط كافة الأقنعة ونعود كما كُنّا مجتمعاً آمناً سالماً يتسع للجميع. فالغلو والتطرّف هما السبب الحقيقي للإرهاب. وظاهرة الغلو هذه قَدِمت إلينا من الخارج مطرودة بعد أن ضاقت بأفكارهم وأعمالهم أوطانهم الأصلية، وكان هذا الوطن هو الملاذ الآمن لهؤلاء الذين أرادوا أن يفرضوا قناعاتهم الخاطئة بالباطل ولم يلتفتوا إلى سماحة الإسلام فنشروا أفكارهم ومعتقداتهم وتلقّاهم البعض من الداخل وممن وجدت هذه الآراء والمعتقدات هوى في نفوسهم ومصلحة شخصية تحقّق طموحاتهم المريضة فاستخدموا الشباب كأدوات فاقدة للعقل والإرادة لتحقيق مخططاتهم المدمرة. فبدأت بذور الغلو والتطرّف تعلن عن نفسها وتظهر على السطح على شكل مخيمات وأشرطة ومطويات وكتيبات وأقوال وأفعال غزوا بها عقول الشباب في بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم وشوارعهم، تحمل التهديد والوعيد لكل مخالف لفكرهم، لا يتماشى ومعتقداتهم، يُكفّرون ويبدِّعون ويُزندقون ويُخرجون من المِلة. يُطلقون الأحكام جزافاً، يُدخلون الجنة من شاؤوا ويُخلِّدون في النار من أرادوا. فلسفوا الدين دون النظر لاعتباراته وأحكامه. يأخذون بظاهر النص، لم يعرفوا معنى الدليل القطعي والظني ولا ترجيح المعنى المرجوح في زمن آخر يقتضي ترجيحه لمصلحة أكبر. ولو أنهم قرؤوا تاريخ الإسلام على أصوله وعرفوا فقهه وأحكامه ودرسوا أفعال رسول الله وأقواله لوجدوا أن الغلو والتزمّت أمرٌ ترفضه الشريعة ويمجّه معلّم الناس الخير والمحبة.
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟»، قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلّقت به، فقال النبي: «حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد».
وقال عليه السلام محذّراً «إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلاّ غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»، وقال أيضاً: «هلك المتنطّعون».
فالغلو في حد ذاته مشاقة حقيقية لهدي الإسلام، وإعراض عن منهجه الذي هو في حقيقته توسّط واعتدال. وقد يمنع الغلو وأئمته من إقبال غير المسلمين على الدخول في الإسلام.. بما يتقوّلونه من زور وبهتان وتشويه للدين ووسطيته. فجعلوا من هذا الدين العظيم مسبّة في عيون الآخرين كما يحدث اليوم من الإخوان وداعش والقاعدة وغيرهم. نسوا أن سمة هذا الدين هي اليسر والتيسير ورفع الحرج، فالعدل والوسطية هما خيارا أمة محمد الحقيقيان وليس ما هو حاصل اليوم.
يحدّد الشيخ سليمان بن عبدالوهاب في (تيسير العزيز الحميد) ضابط الغلو بقوله «تعدّي ما أمر الله به». وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: «وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي». ويقول ابن القيم «ما أمر الله بأمر إلاّ وللشيطان فيه نزعتان.. إما إلى تفريط وإطاعة، وأما إلى إفراط وغلو»، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين. فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيّع له، هذا بتقصيره عند الحد وهذا يتجاوزه الحد.
إن المطلع على مذهب الخوارج يجد تشابهاً كبيراً مع آراء المغالين في عصرنا الحاضر. تروي عائشة أن رسول الله قال عنهم: «هم شُرّار أمتي يقتلهم خيار أمتي». فهؤلاء أضلّوا شبابنا وحوّلوهم إلى قنابل قابلة للانفجار في أية لحظة. يقول ابن تيمية: فإذا كان على عهد رسول الله وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من ليس منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي بقتالهم فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الكتاب والسنة حتى يدّعي السنة من ليس من أهلها، وذلك بأسباب، منها الغلو الذي ذمّه الله، والتفرّق والاختلاف وأحاديث مكذوبة يسمعها الجاهل فيصدّقها لموافقته ظنه وهواه. وقد ذمّهم الله بقوله: «إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفُسُ». وكان ابن عمر يراهم شرّار خلق الله.. وأنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
فالغلو ظاهرة دخيلة على مجتمعنا، ليست من إسلامنا، جذورها الخوارج وفروعها هؤلاء الذين ابتلي بهم الزمان والمكان.. الذين خرجوا عن المنهج الوسط ومجاوزة الحد وفعل ما لم يشرّعه الله ويسنّه رسوله عليه السلام. وتفسير النصوص تفسيراً يتعارض ومقاصد الشريعة السمحة. فالتعصّب للرأي هوى بذي الخويصرة وأصحابه إلى أسفل السافلين.
آن الأوان لأن نقف في وجه كل متشدّد، نطهّر منهم الزمان والمكان، نراقب تصرّفاتهم وأعمالهم وأقوالهم، ونمنعهم من اعتلاء المنابر ليلووا أعناق النصوص ويسخّروها لمصلحتهم. يقول النووي: المتنطّعون المتعمّقون المُغالون المُجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. لقد كشف الله عورات الغُلاة وأظهر حقيقة أمرهم على أيدي المخلصين من أبناء الوطن.. فلنحْذَرَهم ونبني هذا الوطن بالحب والتسامح، مؤمنين بثقافة الاختلاف وأدب الحوار، كما أصّل له خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله.
واجبنا أن نقف صفاً واحداً ضد مسببات الإرهاب ونسقط كافة الأقنعة ونعود كما كُنّا مجتمعاً آمناً سالماً يتسع للجميع. فالغلو والتطرّف هما السبب الحقيقي للإرهاب. وظاهرة الغلو هذه قَدِمت إلينا من الخارج مطرودة بعد أن ضاقت بأفكارهم وأعمالهم أوطانهم الأصلية، وكان هذا الوطن هو الملاذ الآمن لهؤلاء الذين أرادوا أن يفرضوا قناعاتهم الخاطئة بالباطل ولم يلتفتوا إلى سماحة الإسلام فنشروا أفكارهم ومعتقداتهم وتلقّاهم البعض من الداخل وممن وجدت هذه الآراء والمعتقدات هوى في نفوسهم ومصلحة شخصية تحقّق طموحاتهم المريضة فاستخدموا الشباب كأدوات فاقدة للعقل والإرادة لتحقيق مخططاتهم المدمرة. فبدأت بذور الغلو والتطرّف تعلن عن نفسها وتظهر على السطح على شكل مخيمات وأشرطة ومطويات وكتيبات وأقوال وأفعال غزوا بها عقول الشباب في بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم وشوارعهم، تحمل التهديد والوعيد لكل مخالف لفكرهم، لا يتماشى ومعتقداتهم، يُكفّرون ويبدِّعون ويُزندقون ويُخرجون من المِلة. يُطلقون الأحكام جزافاً، يُدخلون الجنة من شاؤوا ويُخلِّدون في النار من أرادوا. فلسفوا الدين دون النظر لاعتباراته وأحكامه. يأخذون بظاهر النص، لم يعرفوا معنى الدليل القطعي والظني ولا ترجيح المعنى المرجوح في زمن آخر يقتضي ترجيحه لمصلحة أكبر. ولو أنهم قرؤوا تاريخ الإسلام على أصوله وعرفوا فقهه وأحكامه ودرسوا أفعال رسول الله وأقواله لوجدوا أن الغلو والتزمّت أمرٌ ترفضه الشريعة ويمجّه معلّم الناس الخير والمحبة.
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟»، قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلّقت به، فقال النبي: «حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد».
وقال عليه السلام محذّراً «إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلاّ غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»، وقال أيضاً: «هلك المتنطّعون».
فالغلو في حد ذاته مشاقة حقيقية لهدي الإسلام، وإعراض عن منهجه الذي هو في حقيقته توسّط واعتدال. وقد يمنع الغلو وأئمته من إقبال غير المسلمين على الدخول في الإسلام.. بما يتقوّلونه من زور وبهتان وتشويه للدين ووسطيته. فجعلوا من هذا الدين العظيم مسبّة في عيون الآخرين كما يحدث اليوم من الإخوان وداعش والقاعدة وغيرهم. نسوا أن سمة هذا الدين هي اليسر والتيسير ورفع الحرج، فالعدل والوسطية هما خيارا أمة محمد الحقيقيان وليس ما هو حاصل اليوم.
يحدّد الشيخ سليمان بن عبدالوهاب في (تيسير العزيز الحميد) ضابط الغلو بقوله «تعدّي ما أمر الله به». وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: «وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي». ويقول ابن القيم «ما أمر الله بأمر إلاّ وللشيطان فيه نزعتان.. إما إلى تفريط وإطاعة، وأما إلى إفراط وغلو»، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين. فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيّع له، هذا بتقصيره عند الحد وهذا يتجاوزه الحد.
إن المطلع على مذهب الخوارج يجد تشابهاً كبيراً مع آراء المغالين في عصرنا الحاضر. تروي عائشة أن رسول الله قال عنهم: «هم شُرّار أمتي يقتلهم خيار أمتي». فهؤلاء أضلّوا شبابنا وحوّلوهم إلى قنابل قابلة للانفجار في أية لحظة. يقول ابن تيمية: فإذا كان على عهد رسول الله وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من ليس منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي بقتالهم فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الكتاب والسنة حتى يدّعي السنة من ليس من أهلها، وذلك بأسباب، منها الغلو الذي ذمّه الله، والتفرّق والاختلاف وأحاديث مكذوبة يسمعها الجاهل فيصدّقها لموافقته ظنه وهواه. وقد ذمّهم الله بقوله: «إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفُسُ». وكان ابن عمر يراهم شرّار خلق الله.. وأنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
فالغلو ظاهرة دخيلة على مجتمعنا، ليست من إسلامنا، جذورها الخوارج وفروعها هؤلاء الذين ابتلي بهم الزمان والمكان.. الذين خرجوا عن المنهج الوسط ومجاوزة الحد وفعل ما لم يشرّعه الله ويسنّه رسوله عليه السلام. وتفسير النصوص تفسيراً يتعارض ومقاصد الشريعة السمحة. فالتعصّب للرأي هوى بذي الخويصرة وأصحابه إلى أسفل السافلين.
آن الأوان لأن نقف في وجه كل متشدّد، نطهّر منهم الزمان والمكان، نراقب تصرّفاتهم وأعمالهم وأقوالهم، ونمنعهم من اعتلاء المنابر ليلووا أعناق النصوص ويسخّروها لمصلحتهم. يقول النووي: المتنطّعون المتعمّقون المُغالون المُجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. لقد كشف الله عورات الغُلاة وأظهر حقيقة أمرهم على أيدي المخلصين من أبناء الوطن.. فلنحْذَرَهم ونبني هذا الوطن بالحب والتسامح، مؤمنين بثقافة الاختلاف وأدب الحوار، كما أصّل له خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله.
