في هذا الزمن الكوني الجديد.. زمن التقنية والمعلومة والوسائل الاتصالاتية.. الزمن الراعش بهم الحصول على المعلومة والجهاز والسلعة -بأسرع الطرق وأضمنها- ولدت فكرة الخدمات البريدية السريعة في أنحاء العالم، ونشأت منها تلك الأساطيل الهائلة برا وبحرا وجوا، التي قصدت إلى توفير خدمات النقل والتوصيل بين كل مدن العالم، بأسرع الوحدات الزمنية الممكنة.. كان ذلك قبل ما يقارب الأربعة عقود ونصف من الزمن مع الشركة الكبرى (DHL)، التي امتدت خدماتها للدول الخليجية ابتداء من العام ١٩٧٧.. لتتابع قافلة ذلك الأسطول مع شركات أخرى كثيرة ك(الفيديكس) و(الأرامكس)...، اللتين تعدان مع ال(دي إتش إل) الأكثر تداولا وخدمة في بلادنا السعودية.
والرؤية الإيجابية للوقائع تؤكد الخدمة الباذخة، التي تقدمها تلك الشركات الناقلة للبضائع والشحنات والخدمات اللوجستية للعملاء الذين وجدوا في تلك الشركات استجابة لرغبات ملحة في إيصال الرسالة، ثم تلقيها واستلامها بشكل آمن سريع.
ولكن الذي يبدو مع تقادم العهد لتلك الشركات في بلادنا، وملامستهم المباشرة لحالة الإهمال والفوضى التي تسود السوق التجارية، ثم زيادة أعداد المستفيدين والمضطرين لرغبة الحصول على خدمات تلك الشركات، أن كثيرا من الفوضى والعبث قد بدأ في التغلغل إلى منظومة العمل داخلها (من استلام وتسليم وفوترة وإجراءات إدارية متنوعة)، جعلت المشهد يتطابق تماما مع القول بضياع (الطاسة) الأولى، ثم كل (الطيس) على التوالي، مما سأحاول مقاربة تفاصيله فيما سيأتي من هذا النثار.
منذ البدء فإن أول ما يلفت نظر المنتقد هو التأخير في إيصال الشحنات للعملاء، لتمتد في أحيان كثيرة إلى أسبوع أو عشرة أيام تامة، مما يخالف البيان الأول الذي قام عليه مشروعها (السرعة الآمنة لإيصال الشحنة إلى مستحقها)، ولنا أن نقيس النسبة لهذا التأخير عندما تكون الشحنة مطلوبة من خارج البلاد، هذا التأخير الذي تسبب في فساد كثير من الحاجات والشحنات، التي عانى أصحابها كثيرا في انتظارها، ثم تأذوا ألما من استقبال شحناتهم فاسدة (أو في طور الفساد) في أفضل الحالات.
وعندما تسول لأحد من هؤلاء المتضررين نفسه بحق الشكوى من الضرر، فإنه سيكون قد كتب على نفسه حمل صخرة سيزيف لرأس الجبل الذي يتوقع أنه سيجد عليه حلا لمشكلته، فلما لم يجد إلا مماطلة (المتربعين) على عرش الجبال، يضطر إلى النزول مرة أخرى ليصعد بصخرته من جديد!
أما داهية الدواهي فهي ما يفرض على العميل من رسوم إضافية عند شراء سلعة من خارج البلاد، بعد أن يكون ذلك العميل قد اطمأن إلى أنه قد دفع مبلغ (الشحن) مع مبلغ (الشراء) مباشرة. إذ إنه عند استلام شحنته يفاجأ بأن عليه دفع مبلغ آخر، يزعم الموظفون (الناقلون) بأنه مبلغ (الرسوم الجمركية)، وفي أحيان أخرى تمتد هذه الرسوم (المزعومة) لتشمل رسوم (التخليص الجمركي)، التي تجعل العميل (الذي لا حول له ولا قوة.. وقتها) يحدث نفسه مشدوها: «إذا.. فتلك الرسوم التي دفعتها منذ البداية كثمن إيصال الشحنة.. عن ماذا تم دفعها؟!»
أما الأمر الذي يؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها، فهو تفاوت هذه الرسوم الجمركية المزعومة (عند التسليم) من عميل لآخر، ومن حالة إلى أخرى، فقد تفرض على عميل واحد رسوم على سلعة تجارية للاستخدام الشخصي (البسيط) أكثر بأضعاف كثيرة على ما تفرضه على شركات تجارية كبرى مستوردة، مما قد يثير الريبة في نفوس العملاء (الصغار) من تواطؤ ما.
وبالتأكيد، فإن ثمة أخطاء يومية أصبحت من الأمور الطبيعية في هذا المشهد الغامض، كإجبار العميل على الذهاب بنفسه للبحث عن شحنته في أحد الفروع المنتشرة داخل المدينة، وليس كما كان عنوانا عالميا لمثل تلك الخدمات (من الباب للباب)، إضافة إلى بحث العميل بنفسه عن شحنته عند عملاء آخرين، تم تسليمهم الشحنة خطأ أو إهمالا أو عبثا أو تعمدا على السواء!
ولا تقتصر المعاناة الجمعية من تلك الأساطيل التجارية على تلك الوقائع الراهنة، بل إنها تتجاوزها (لما بعد اللحظة الراهنة تلك)، وذلك عندما يتأكد العميل لها في بلادنا أن واقعها الخارجي في البلدان القريبة والبعيدة على السواء غير واقعها المحلي الذي قاربنا بعض ملامحه المهترئة في مفردات هذا النثار، وعندما يحتار مئة مرة ويتعب ألف مرة في البحث المؤرق عن (الجهة) التي يتجه إليها لإيصال شحنته الانفعالية للتظلم والشكوى..! إذ هو لا يدري.. هل يشد رحال مأساته صوب المسؤولين عن هذه الشركات في الداخل، أو لمديريها في الخارج، أو لمصلحة الجمارك السعودية، أو لوزارة التجارة أم لمراكز الشرطة وقاعات المحاكم؟!
وبعد.. فأنا ذاتي لا أعرف إلى من أتجه بحاجات هذا النثار المحير، ولذلك فسوف أنادي مع عملاء هذه الشركات في بلادي على عادة القول الشعبي: «من يعرف أبوههم.. يقل له».. «من يعرف أبوهم.. يشتكي له»!