«خلق الإنسان. علمه البيان».. وبالفعل، إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة. فكلمة هنا قد ترفع إنسانا إلى القمة، وأخرى هناك قد تطيح به عنها.
عام 1964 كان الرئيس الأمريكي «ليندون جونسون» مكروهاً من الأمريكيين، وكان قد تولي الحكم عقب اغتيال «كينيدي»، ولكنه نجح في انتخابات الرئاسة باكتساح فريد، حيث فاز بأربع وأربعين ولاية من أصل خمسين! والسبب أن منافسه الجمهوري «باري جوولدووتر» لمَح بأنه سينتصر على الاتحاد السوفيتي عبر حرب نووية، مما جعل الأمريكيين ينفضون من حوله، فخسر هو وحزبه الكثير، وفاز رئيس مكروه، اضطر بعد ذلك لعدم خوض السباق الرئاسي التالي لتدهور شعبيته.
أما «جيرالد فورد»، الذي عُين نائباً للرئيس «ريتشارد نيكسون» بعد استقالة «سبيرو أغنيو» بسبب قضايا فساد وتهرب ضريبي، ثم عُين رئيساً للبلاد بعد استقالة «نيكسون» نفسه بسبب فضيحة التنصت في «ووترجيت»، فقد أُطيح به في أول انتخابات يخوضها نتيجة خطأ واحد حين وقف في مناظرة أمام «جيمى كارتر» وقال: «لن يهيمن الاتحاد السوفيتي على أوروبا الشرقية ما دمت حياً!»، وقد كان يقصد أوروبا الغربية لأن الاتحاد السوفيتي وقتها كان مسيطراً بالفعل على شرق أوروبا. وقد خسر نتيجة هذا الخطأ.
هفوتا «جوولدووتر» و»فورد» كانتا سبباً لسعادة «جونسون» و»كارتر» على الترتيب. ولكن هل يمكن لكلمة أن تُبكي رئيس جمهورية ووزير خارجية وسفير وأمين القصر الجمهوري وكبير الياوران؟ حدث بالفعل؛ فبعد انفصال سوريا عن مصر أوائل ستينيات القرن الماضي وقف الأديب والدبلوماسي السوري «سامي الدروبي» يُقدم أوراق اعتماده سفيراً لعبدالناصر فقال: «يحز في نفسي أن تكون وقفتي هذه كوقفة أجنبي، كأنني ما كنت في يومٍ مجيد من أيام الشموخ مواطناً في جمهورية أنت رئيسها». فبكى الحاضرون، ورد عليه ناصر قائلاً:
«يسعدني أن أستقبلك لا كأجنبي ولكن كابن من أبناء الأمة العربية التي هي أمة واحدة».
عليك الحذر دوماً مما تقول لأن لكل شيء فاتورة، تُدفع فوراً أو بعد حين، أو يتم تقسيطها. وإذا كان الصمت من الفضائل، فالمهم أن تستغله بشكل صحيح بأن تفكر خلاله، لأنك حين تقرر الكلام لا بد وأن تنطق كلاماً عاقلاً.
كلام له فاتورة
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
