الناس بالإجماع، تريد لوزارة الصحة دوام النجاح، والدولة تسعى إلى ذلك بجدية، وتواجه كل التحديات باستمرار، ولعل أهم تحد يواجه أي وزارة صحة في العالم هو التمويل، ووزارة الصحة السعودية استثناء، الكل يعرف حجم ما حظيت به من دعم سخي، وبالذات خلال السنوات الفائتة لتقوية النظام الصحي وتحويله إلى خدمات صحية جيدة تحقق رضا المستفيد وتواجه طلباته ورغباته، المخصصات المرصودة من الميزانية العامة لوزارة الصحة تقطع الشك باليقين، وكما تلفت نظر المراقب في الخارج تفتح شهية الشعب إلى المزيد والمزيد من الرعاية الصحية وجودة الخدمات المقدمة.
ويبقي في جملة مؤشرات الحقبة الزمنية أن وزارة الصحة في عهد وزيرها السابق «كانت طموحة وغير موفقة» كما تؤشر قناعات الرأي العام على الأقل تجاه عدم التوفيق، رغم ما حظيت به من دعم تتمناه أي وزارة مماثلة في أي مكان. هذا الأمر تحديدا، وأقصد الدعم المالي السخي، يحسب للدولة في مجال اهتمامها بصحة الناس، ومن أراد أن يختبر الأمر ما عليه إلا أن يراجع تصاعد أرقام مخصصات الوزارة من الميزانية العامة عبر السنوات الماضية. صحيح أن تزايد عدد السكان يضغط على الخدمات الصحية، وصحيح أيضا أن ارتفاع وعي الناس يرفع الطلب على الخدمة المميزة وينشد الجودة، إلا أن ذلك من وجهة نظر الغالبية لا يبرر لوزارة الصحة ارتفاع مستوى الشكوى العامة من تردي خدماتها -الصورة المطبوعة في الأذهان- وللناس تجارب مرصودة وقصص واقعية كثيرة أسهمت وعززت سوء الانطباع، ووضعت الوزارة على المحك أكثر من مرة.
قد يكون هناك جور في الحكم على أداء الوزارة، وقد يرى جهازها التنفيذي أن ما تواجه به من نقد لا يستند على الكثير من المبررات المقبولة، وأعتقد أن شيئا من ذلك قد حصل ودفع الوزارة إلى الحضور الإعلامي للدفاع عن نفسها مرات ومرات، إلا أن المحاورين لم يأتوا بجديد، وقناعات الناس السلبية لم تهتز، التذمر نفسه والموقف ذاته، لأن طالبي الخدمة أكثر قدرة على فحصها من المنظرين. حتى إن تغنت الوزارة بالمدن الطبية والعمل على زيادة الأسرة من خلال التوسع في المستشفيات، تظل القضية في نظر العامة قضية خدمات يفترض أن تكون ميسرة يسهل الحصول عليها بكرامة على مدار الساعة، خالية من الأخطاء الطبية والمخبرية وما في حكمها.
حينما يأتي الحديث عن الشأن الصحي على طاولة الحوار العام تتشعب الاهتمامات وتتنوع بين الواقع والمأمول، ويظل من حق الناس في كل الأحوال مناقشة هذا الشأن بجدية لعلاقته المباشرة بحياتهم في أكثر من جانب، وحينما يدور الحديث على طاولة أهل الاختصاص على اعتبار أن الخدمات الصحية تُقدم من مواقع مفتوحة في الأصل على بيئة خارجية يمثلها الجمهور العام، وأخرى داخلية يمثلها العاملون، يتجه المختصون إلى شأن البيئة الداخلية أولا، باعتبار قوتها واستقرارها أو العكس على رأس العوامل المؤثرة بشكل مباشر في الخدمات المقدمة للبيئة الخارجية جودة أو ترديا، تماما أو نقصا.
من هذا المنطلق كان وما زال على وزارة الصحة «مصارحة نفسها» وفحص هذه المسألة بموضوعية لضمان تحقيق رضا العاملين، واستثمار المسألة لتصحيح الأوضاع، وليس في هذا من العيب شيء، بل العكس هو الصحيح.. اليوم يتساءل الناس عن تنامي عمليات انتزاع العاملين في الوزارة لحقوقهم عبر الدوائر القضائية، وينظرون إلى المسألة بشيء من السخرية في الوقت الذي يرى جل المختصين أن طبيعة العلاقة بين الوزارة ومنسوبيها تدخل وتخرج من هذا الباب المفتوح على احتمالية توتر العلاقة، وانعكاس ذلك سلبيا على أوضاع الخدمات الصحية، مما يجعل ملف القوى العاملة الأكثر سخونة على طاولة الوزير الجديد إن أراد صناعة الفارق.