يمثل استئناف الغارات الجوية التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار على أهداف بمنطقة وزيرستان المضطربة انتهاكا سافرا للسيادة الباكستانية. كما أنها تمثل إحراجا لحكومة إسلام أباد التي لديها ما يكفيها من المشاكل الأمنية مع زعماء القبائل في تلك المناطق. ومعروف أن الإدارة الأمريكية ظلت تستهدف هذه المناطق الوعرة بشكل متكرر بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 ضمن ما تسميه “الحرب على الإرهاب”. والشاهد أن هذا الاستهداف المباشر وغير المباشر، أسهم في توتير العلاقة بين الحكومة وبين الإسلاميين وكبد سلطات إسلام أباد خسائر سياسية وأمنية فادحة.
إن الاستمرار الأمريكي في استهداف منطقة القبائل يعكس بوضوح أن الإدارة الأمريكية لم تدرك بعد خطورة هذه الأعمال على أمن المنطقة برمتها، كما تعكس جهلها بطبيعة النسيج القبلي والعشائري لسكان هذه المناطق. بل إن مثل هذه العمليات تفقد واشنطن دون شك ثقة المعتدلين من الزعماء القبليين في المنطقة بأكملها.
لقد ثبت بالتجربة أن النتائج المترتبة على أي تصعيد عسكري في هذا الجزء من باكستان كانت مدمرة، إذ تسمح مثل هذه الإجراءات للجماعات المسلحة الناشطة في المنطقة باستثمار حالة اليأس لدى المواطنين ومن ثم دفع غمار الشعب إلى التعاطف معها. والواقع أن محاربة الإرهاب والتطرف في هذه المنطقة يكون بتنفيذ مشاريع تنموية وتحسين حياة السكان المحليين، وكذلك بتعزيز برامج المصالحة الوطنية، فالمشاكل في باكستان لا تقتصر فقط على الجوانب الأمنية وإنما تشمل ملفات سياسية واقتصادية أخرى.
من الواضح أن أعباء جسيمة تنتظر الحكومة التي تفاوض رموز طالبان باكستان للتوصل إلى تسويات تحقن الدماء في منطقة القبائل بالحوار. كذلك المأمول من كافة ألوان الطيف السياسي الباكستاني التوافق على برنامج يراعي المصلحة الكلية للبلاد ويحافظ على سيادتها من التدخلات الخارجية، إذ إن التوتر المذهبي الذي أطل برأسه مؤخرا يدق جرس إنذار من فتنة قادمة ستكون ويلاتها أشد على البلاد مما تعانيه الآن. يكفي ما دفعته باكستان حتى الآن لصالح حملة هلامية تقودها أمريكا للحرب على الإرهاب.