تابعت مؤخراً ما أثير حول العالمة حياة سندي وظهورها في مجلس الشورى دون عباءة، وبغض النظر عن حقيقة ما حدث، ما يهمني هو كم الاختلاف الذي حصل بين التيارات وأدى إلى قيام الكثير ممن يصفون أنفسهم بـ»المحافظين» بالتقليل من إنجازاتها التي شهدت بها منظمات عالمية كاليونسكو وهارفارد وغيرها، لم أجد تفنيدا علميا أو انتقادا علميا وكل ما وجدته هو تقليل بسبب طريقة لباسها وهي نظرة قاصرة جداً تعبر عن حالنا باختصار.
الغريب في الأمر أن التعامل مع أي منجز حالي يتم وفقاً لأيديولوجيات الحزب وهو ما يحدد هل أقف مع أو ضد المنجز، وهذا يفسر ما يحصل حين يقوم الطرف (المحافظ) بالانتقاص من شخصية تتعارض قولاً أو شكلاً معه، وكذلك ما يقوم به الطرف الليبرالي من احتفاء مبالغ به إغاظة للطرف الآخر، والعكس صحيح تماماً. هذا هو حال الأطباء والعلماء، أما المفكرون والمبدعون والفلاسفة فغالباً ما يتم التعامل معهم بشكل أقسى ويرمون بتهم أعظم تصل للتفسيق والتكفير، والتاريخ يقول إن هناك علاقة حميمة لا تنقطع بين التكفير والتفكير، فمن يفكر يتم تكفيره، ومن يحاول الخروج عن المألوف يتم إخراجه كذلك من المجتمع وربما الدين!
وليس بالأمر الجديد أن نقوم بتهميش العلم ومحاربة المبدعين، فهي سنّة أصيلة في تاريخ حضارتنا على امتداد عصورها، لم نبرع يوماً في شيء كبراعتنا في هدم كل تغيير وكل جديد، نحن الآن نتغنى بالعلماء الكبار والمخترعين والفلاسفة العرب والمسلمين، وكلما بكينا على الأمجاد القديمة قلنا: كان فينا ابن رشد وابن سينا والفارابي والرازي والمتنبي وابن الرومي وابن حيان وغيرهم، لكن واقع الحال يقول إن جميع هؤلاء الفلاسفة العظماء والعلماء الأفذاذ وغيرهم الكثير قد تم تكفيرهم وتفسيقهم وقتل بعضهم وسجن آخرين، وهكذا فهم بناء على آراء كثير من رجال الدين لا يعتبرون علماء إسلاميين بل زنادقة وملاحدة، فبمَ الفخر؟
المؤسف أنه حتى الذكاء والمنطق وإعمال العقل يصبح أحياناً تهمة، فالذهبي يقول في حديثه عن الفارابي مثلاً: «الفارابي المنطقي أحد الأذكياء من ابتغى الهدى منه ضل وحار»، ويقول ابن العماد فيه: «أكثر العلماء على كفره وزندقته»، ويقول الغزالي: «لا شك في كفره»، وهذا غيض من فيض، ولو بحثت في تاريخ أغلب المفكرين والفلاسفة والشعراء الإسلاميين لوجدت العجب العجاب، وواقع الحال يقول إن من سلم من هؤلاء العظماء من تهمة الإبعاد عن الإسلام هم قلة قليلة، فلماذا نردد بين الحين والآخر أن تاريخنا الإسلامي هو أساس الحضارات؟ لماذا يحق لي أن أفتخر كعربي مسلم بعالم كالفارابي وهو ليس عربي -تركستاني- وليس مسلم حسب رجال الدين الذين كفروه؟ أي صلة تجمع بيننا؟ لماذا يستخدمون ورقة التكفير والانتقاص، ثم يتعلقون بأمجاد من كفّروهم؟
لم تكن العصور الوسطى في أوروبا لتنتهي، ولم يكن العالم الحديث ليتقدم لو لم تتراجع الكنيسة وتعتدل جبراً وتكف عن ملاحقة العلماء والفلاسفة، تهم التكفير والتفسيق في زمننا الحالي أصبحت تهماً باردة، لم تعد تنطلي إلا على السذج، لم يعد العالم الجديد شغوفاً بهذا النهج، لم تعد تشد الجماهير دعوات القتل وقمع الفكر (إلا في دول العالم الثالث).

