أحسنت وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة حين أعلنتا تفاصيل ميزانيتيهما بالأرقام والبنود، حتى تكون الصورة واضحة.
بعد إعلان الميزانية العامة للدولة التي جاءت بإنفاق ٨٥٥ مليار ريال، قيل إن ميزانية التعليم والصحة تعادل ربع ميزانية الدولة تقريبا، وهذا صحيح إذ إن ميزانية الوزارتين بلغت نحو ١٨٠ مليار ريال، ومن هنا نشأ اعتقاد لدى الكثيرين أن هاتين الميزانيتين الضخمتين ستلبيان طموحات الحاجة إلى مشروعات كثيرة لا سيما في مجالي المباني المدرسية، والمستشفيات، ومراكز الرعاية الأولية، وذهب البعض إلى الحديث حول هذه المليارات (المتلتلة) وأين ستذهب؟ وسنرى! ونحو ذلك من التحديات والآمال.
والحقيقة أن ميزانيتي الوزارتين تضمنتا مشروعات جديدة جيدة، ولكن ليس بالحجم الذي أوحت به الأرقام الإجمالية لهما، فبعد التفصيلات التي نشرت بوضوح تبين أن مشروعات وزارة التربية والتعليم الجديدة ودعم القائمة خصص لها أربعة مليارات فقط لا غير من ١٢١ مليارا هي مجموع ميزانية الوزارة، وأن مشروعات الصحة الجديدة خصص لها خمسة مليارات فقط لا غير من ستين مليارا هي مجموع ميزانية الوزارة، أي أن مجموع ميزانيتي الصحة والتعليم الجديدتين هو تسعة مليارات فقط، أما بقية المائة وثمانين مليارا فقد ذهبت لبنودها التقليدية المعروفة (الرواتب، التشغيل والصيانة، التوظيف، وغير ذلك من الأعمال والأنشطة التي تمارسها الوزارتان سنويا مع نسبة زيادة ضئيلة تبعا للتوسع والنمو السنوي).
بعد التوضيحات التي أوردتها الوزارتان، ونشرتها الصحف كلها يوم الأربعاء الماضي، بدا الفرق واضحا في ذهن المتلقي بين ميزانية البنود، وبين ميزانية القطاعات، فالأخيرة توهم بغير الحقيقة الكاملة، والأولى تضع نقاط المليارات على حروف البنود، فلا يتوهم أحد ما ليس حقيقيا، ولا يذهب في تصوراته وأحلامه وشكوكه واتهاماته إلى حدود لا سند لها من الواقع ولا المنطق.
المختصون لا شك يعرفون أكثر مني، لكني فقط هنا أتساءل ما هو المانع أن يتم إعلان ميزانية الدولة بهذه التفاصيل التي وردت في إيضاحات وزارتي التربية والصحة لميزانيتيهما، أليس من الأفضل -مثلا- أن يعرف المواطنون أن ١٠٤ مليارات ،و ٣٦ مليارا من ميزانيتي الوزارتين هما للرواتب فقط ،أي ١٤٠ مليارا من المائة والثمانين مليارا الذي هو مجموع ميزانيتي الوزارتين اللتين تعادلان ربع ميزانية الدولة تقريبا، والمتبقي المتمثل في أربعين مليارا لبقية البنود التي منها بند المشروعات الجديدة الذي حصل على تسعة مليارات فقط للوزارتين!
وكما قلت سابقا فإن مشروعات الوزارتين جيدة، فالدولة لا شك مهتمة بالقطاعين الضخمين جدا، والمهمين جدا، لكن مخصصات المشروعات الجديدة هذه لا شك دون الطموح، وقطعا دون الاحتياج، ذلك الاحتياج الذي ينمو سنويا بنسب كبيرة ووتيرة متسارعة، فعدد السكان يزيد، واحتياجاتهم ومطالبهم تتضخم.
ولعله من المناسب أن أشير هنا إلى أن هذه الأرقام المجملة المبهمة في ميزانية الدولة، هي أحد أسباب شائعات الفساد التي يطلقها الناس في مجالسهم ومنتدياتهم، دون سند أو معلومة، سوى الأرقام المليارية التي لا يعرفون تفاصيل صرفها، ويظنونها كلها بيد الوزارات لمشروعات جديدة!
أحسنت وزارتا التربية والصحة بإيضاحهما، وليت بقية القطاعات تفعل مثلهما تماماً، ليتكون من مجمل الإيضاحات رسالة تقول: نريد إعلان الميزانية العامة للدولة بهذه التفصيلات السهلة البسيطة، ليعرف الجميع المصبات الحقيقية لأنهار المليارات. الأرقام لا تكذب لكنها تخدع أحيانا.
هذه ميزانية (التعليم والصحة): الأرقام تخدع أحيانا
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
