عندما تشككت الكنيسة في مسيحية مسلمي الأندلس الذين تنصروا بالقوة وأخذت تقدمهم لمحاكم التفتيش للحكم بإحراقهم، كانت تستدل عليهم بشوارعهم النظيفة التي ترش بالماء، وبالقناديل المضيئة على أبواب بيوتهم طوال الليل لتنير الطريق. نعم كانت للشوارع في مدننا الإسلامية شخصية وشكل ورونق، ضاع كل ذلك إما بفعل إسقاط تلك المدن والشوارع بيد العدو، أو هجرانها وهدمها وبناء المدن الحديثة بأيدينا. فالشوارع الإسلامية الرئيسة كانت واسعة مضاءة ممهدة تتسع لحركة الناس والجنود والبيع والشراء، وتتفرع منها شوارع سكنية ضيقة ملتوية، بلطت في أغلب الأحيان، نظيفة دائماً، مضاءة طوال الليل بالقناديل، ترش دائماً بالماء ليجلب الهواء اللطيف، يحس الناس فيها بالحميمية والصداقة والأخوة، فالكل يسير بجوار الكل وفي حماية الكل. ولكل شارع شخصيته التي تتوافق مع شخصية سكانه، وتطل عليها بيوت متسعة رحبة. يقابلك أول ما تدخل بناء من طابق واحد أو طابقين قسم الرجال ثم قسم الحريم بالداخل الذي يطل على الحديقة الداخلية المتسعة التي يجلس ويرتاح فيها أهل الدار بعيداً عن الشارع، وتمهد الشوارع وتخطط وفقاً لطبيعة المدينة، فتجد شوارع أغلب المدن العربية التي بنيت في بيئة حارة حيث الشمس الحارقة، وقد بنيت من الشمال للجنوب لتقليل تعرض الطرق والبيوت للشمس الحارقة، كما يمكنها استقبال رياح الشمال الباردة، وتبني البيوت في هذه الاتجاهات ليكتسب الشارع والبيوت المطلة عليه ظلاً طوال النهار، ويمكن رؤية ذلك في المدن العربية والإسلامية القديمة كالقاهرة وما تبقي من شوارع الدرعية القديمة، والمناطق الباردة تبني الشوارع في الاتجاه الشرقي الغربي لاكتساب أكبر قدر من الشمس وتجنب الرياح الشمالية الباردة. والمدن المطلة على البحر تكون شوارعها موازية للبحر حيث تعمل المنازل كمصدات للرياح الباردة. نعم كانت شوارعنا بها كثير من الجمال والحميمية. فالإنسان يحس برباط عميق مع شارعه، فهو يسيطر عليه، في حين تسيطر الشوارع في المدن الحديثة علي الإنسان وحركته. ترى هل ودعنا شوارعنا مع ذكرى محاكم التفتيش، أم أننا سنعود لها في مدننا الحرة القوية مرة أخرى؟.
شوارعنا القديمة ومحاكم التفتيش
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
