لم يعد قياس الأداء في القطاع الحكومي الخدمي واستخراج مؤشرات أداء سنوية تعكس إنتاجية وفاعلية المنظمة ترفاً، بل أصبح ضرورة ملحة ومدخلا حديثا لتحسين الأداء، وكشف نواحي القوة والقصور، وتشخيص واقعه بموضوعية، وتوفير معلومات تساند وتدعم القرارات المتعلقة بجهود إعادة الهيكلة، وتطوير الأداء المؤسسي.
ولذلك نبهت دول متقدمة مثل: ألمانيا، السويد، هولندا، بريطانيا، النرويج، فرنسا، إيطاليا، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، اليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة، تايلاند، وأخرى نامية مثل: ماليزيا، إندونيسيا، إلى أهمية قياس أداء المنظمات الحكومية الخدمية، وتبنت بشكل دوري نظاماً متطوراً للقياس منذ أوائل التسعينيات الميلادية.
وإيماناً بأهمية ذلك، صدر قرار السلطة التشريعية «مجلس الوزراء» في المملكة في رجب 1429 (يوليو/ 2008) بإنشاء مركز لقياس أداء الأجهزة الحكومية يسمى «مركز قياس الأداء للأجهزة الحكومية»، وأسندت مسؤولية تأسيسه في مراحله الأولى لمعهد الإدارة العامة على أن يستقل بذاته ويرتبط بمجلس الوزراء بعد أن يصل إلى مرحلة النضج.
وحددت مهام المركز بقياس معدلات الإنتاج الحالية للأجهزة الحكومية بشكل دوري باستخدام نماذج معيارية تعطي نتائج توضح مستوى إنتاجية وفاعلية أنشطة الجهاز الرئيسة، إلى جانب قياس معدلات التغير في إنتاجها، وإجراء المقارنة بين أداء فروع الجهاز الحكومي الواحد من حيث الإنتاج والفاعلية وإعداد تقارير عن ذلك، إلى جانب وضع إطار لمشروع تنافسي بين الأجهزة الحكومية أساسه مستوى الأداء ووسيلته منح جوائز مختلفة، وإيجاد قاعدة بيانات حول الأداء الحكومي تكون مصدراً للموضوعات البحثية الاستشارية في المعهد والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة، وإرساء دعائم «بطاقة الأداء المتوازن» في الأجهزة الحكومية لضمان استمرارية تدفق البيانات الموضوعية.
وبعد مضي ستة أعوام على صدور قرار إنشاء المركز، لا يزال مستوى إنجاز المرحلة التنظيرية التي تركز على تحديد المؤشرات والمعايير والمنهجية التي سيتم اتباعها والتطبيق التجريبي لها دون مستوى التوقعات والطموح، وتسير بسرعة السلحفاة، فبعد ما يقارب ثلاث سنوات ونصف، قام المركز بتنفيذ مشروع تجريبي واحد فقط لاختبار منهجية تصميم بطاقة الأداء المتوازن مع سبعة أجهزة حكومية خلال الفترة من يناير 2012 إلى ديسمبر 2012. على الرغم من أن بطاقة الأداء المتوازن وحدها تعتبر أداة قياس غير متكاملة، لا تحل كل مشكلات أداء وتطوير المنشآت، إضافة إلى وجود بعض المخاطر التي تتعلق بتطبيقها تتمثل في عدم تطبيق علاقات السبب والنتيجة بصورة فعلية، والاعتماد على مجرد افتراضات تطبيقها، وعدم القدرة على إحداث التحسينات عبر كل المقاييس في كل الوقت، كما أنها لا تعتمد على المقاييس الموضوعية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى المقاييس غير الموضوعية التي تتطلب الحذر وتحري الدقة، كما أنها تهتم بالمقاييس غير المالية عند تقييم المديرين والموظفين، مما قد يقلل من الأهمية التي يمنحها المديرون للمقاييس المالية.
وإذا كان المركز قد استغرق ستة أعوام في بناء المرحلة التنظيرية، واختبار منهج واحد فقط من عدة مناهج مقترحة لا تزال في طور التجريب للتحقق من مدى مصداقيتها في قياس عدد من جوانب الأداء في القطاع الحكومي، فما هي المدة التي سيحتاجها المركز لإكمال اختبار بقية المناهج المقترحة؟ وماهي المدة التي ستستغرقها مرحلة التطبيق بعد اختيار منهج القياس المناسب والملائم؟ في ظل وجود 77 % من أصل 175 جهازاً حكومياً لا توجد بها وحدة إدارية متخصصة لقياس الأداء، و23% من هذه الأجهزة الحكومية لا يوجد لديها كوادر متخصصة لتطبيق نظام القياس.
من الواضح جداً أن الارتباك وعدم وضوح آلية قياس الأداء الحكومي، وبطء الدراسات المتعلقة بذلك، إضافة إلى عدم وضوح الاستراتيجية التي سيتبعها المركز لتطبيق المهام الموكلة إليه، والآلية التي ستعامل بها التقارير المستخلصة بناءً على نتائج ومؤشرات قياس أداء الأجهزة الحكومية ستقود حتماً إلى إطالة مدة مرحلة ما قبل نضج مركز قياس الأداء الحكومي واستقلاليته، وبالتالي سيفقد التأثير الإيجابي والهدف الذي أنشئ من أجله.