منعت الحكومة الأسترالية أخيرا نشر وثائق حساسة كان من شأنها أن تكشف تواطؤ القوات الإندونيسية في انتهاكات واسعة خلال احتلالها تيمور الشرقية. هذا يثبت أن التاريخ يبقى مصدرا للخطر. القضية تدور حول ممارسات إندونيسيا في أواخر عام 1981 وأوائل 1982، عندما أجبرت إندونيسيا نحو 145.000 مدني من يتمور الشرقية تم تجنيدهم على تشكيل سلسلة بشرية للمشي عبر مناطق كبيرة من الأرض حيث مشى الجيش خلفهم للعثور على قوات العصابات المختبئة. العملية أدت إلى مذبحة في لاكلوتا.
الجيش الإندونيسي حاول بعد ذلك أن يشوه صورة قائد الكنيسة الكاثوليكية في تيمور الشرقية، مارتين ودا كوستا لوبيز، الذي كان قد عبر عن قلق عميق من حدوث مجاعة لأن المزارعين المجندين لم يستطيعوا أن يزرعوا محاصيلهم في الوقت المناسب من أجل الحصاد التالي. خلال تلك الفترة، كانت الحكومة الأسترالية تدعم إندونيسيا في جهودها العسكرية.
قضية تيمور نموذج عن الخطاب السياسي مقابل الواقع، وهي تظهر كيف أن عدم وجود أجهزة إعلام نزيهة يمكن أن يسبب اختفاء الخط الرفيع بين الحقائق والروايات التي تتبناها الحكومات. مثال آخر هو فيتنام. آثار العامل الكيماوي البرتقالي الذي استخدمته القوات الأمريكية خلال الحر لا يزال يسبب تشوه الأطفال، ومع ذلك لم يكن هناك مطلقا محاكمات حقيقية على ارتكاب تلك الجرائم الفظيعة التي ارتُكبت باسم مكافحة الشيوعية. استغرق الأمر 40 عاما حتى تعلن الولايات المتحدة أنها سوف تطلق مشروعا لتنظيف مادة كيماوية خطيرة، بعد أن قضت الحكومة عقودا تشكك بمدى فعالية هذه المادة السامة. هذا التفاوت بين الروايات هو مشكلة لا تزال تضايق الإعلام في فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية التي اتسمت بالصحافة الملحقة بالوحدات العسكرية.
في العراق أيضا، بعد أكثر من 11 عاما من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، لا يزال البلد غارقا في الفساد السياسي والعنف. قليلون جدا من الصحفيين يهتمون بزيارة العراق. هذا يجعل زيارة ناشطة السلام الأسترالية دونا مولهيرن إلى العراق في أوائل 2013 مسألة ملحوظة ومميزة. لم تكتف فقط برؤية بغداد لكنها وجدت طريقها إلى الفلوجة وشاهدت مؤشرات مقلقة لعيوب خلقية يصاب بها كثير من المواليد هناك التي سببها على الأرجح استخدام القوات الأمريكية لليورانيوم المخضب هناك.
لسوء الحظ، مثل هذه التقارير المباشرة التي تأتي من أشخاص على الأرض لا تأتي إلا بين الحين والآخر. عوضا عن ذلك، معظم المشهد الإعلامي الغربي ملوث بجنرالات عسكريين سابقين وما يسمى خبراء، بعضهم قاد الحرب في الدرجة الأولى.
القائد السابق للقوات الأسترالية في العراق، الجنرال جيم مولان، كان قد أيد إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان وهو مستشار رئيسي في صياغة «عملية الحدود السيادية» السرية ضد طالبي اللجوء. أشارت مجلة (أستراليان فاينانشال ريفيو) إلى عمله في قائمة القوة لعام 2013؛ وشبكة التلفزيون الإخبارية (إي بيس ي) تعتمد بشكل منتظم على تحليلاته. ما هو غائب عن كل هذا التملق هو أي اسئلة صعبة بخصوص الفترة التي قضاها في الخدمة خارج البلاد. البروفيسور سكوت بورتشيل، المحاضر في كلية الدراسات السياسية والدولية في جامعة ملبورن ديكن، قال لي إن صعود جيم مولان يكشف عدم وجود أي اهتمام بماضيه.
هناك انعدام مماثل لأي اهتمام أو فضول لدى الرأي العام في التاريخ العملي لشخصية مثل دافيد كيلكولن المعروف في مجال مكافحة التمرد، وهذا أيضا تسبب بتقديم ملفات شخصية متملقة في الصحافة تثني على مهاراته الكثيرة في هزيمة المتمردين في العراق وأفغانستان في الوقت الذي كان كيلكولن يعمل فيه في البنتاجون. حتى في هذا العام، عندما اتضح أن الحروب في كل من أفغانستان والعراق كانتا كارثتين حقيقيتين للقوات والمصالح الغربية (ناهيك عن سكان هذين البلدين)، تم توجيه أسئلة إلى كيلكلولن حول السياسة الخارجية، لكنه مع الأسف تحاشى الإجابة على أي منها. قال لي البروفيسور بورتشيل إن بعض أجهزة الإعلام لا تزال تعتبر كيلكولن «خبيرا» و»مستشارا» يسعى إليه كثيرون.
إن إرث مغامراتنا العسكرية السابقة لا يتوقف عندما يتوقف الصحفيون عن الاهتمام بها، أو يمتنعون عن متابعة أخبارها باهتمام حقيقي. سيكون جيدا لو أننا رأيناهم يطالبون بإجابات مقنعة على أسئلة صعبة تتعلق بجميع المغامرات العسكرية السابقة –مثل تيمور الشرقية والعراق وأفغانستان.
دور الصحفيين في تصحيح الأخطاء التاريخية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
