لا أشعر بالاكتئاب وقلة الحيلة إلا عندما يخبرني مسؤول التحرير لصفحات الرأي: لو سمحت المقالة غير صالحة للنشر يا مولانا دبر عمرك بمقالة لا تتسبب في مشاكل لنا ولك ترى ماحنا ناقصين.. منذ زمن وفي عز توهجي الإعلامي عندما كنت أكتب زاوية يومية في صحيفتي الجزيرة واليوم لسنوات كنت أدخل في حوارات ساخنة مع كبار المسؤولين من رئيس التحرير لنوابه للمشرفين على صفحات الرأي منافحا عن مقالتي ومحاولا إقناع الشباب بأن الأمور لن تكون بالسوء الذي يتصورونه ومع ذلك كنت أنجح بعض الأحيان في تمرير المقالة وفي معظم الأحيان أنصاع للقرار وأكتب مقالة بديلة كأي مواطن صالح.. مشكلتي أنني دوما ما أحرص على دفع سقف الرقابة للأعلى لعل وعسى يتسع أفق الرقيب وتعويده على خطاب جريء للكتاب في الصحيفة مع حراك المجتمع وتغيير آفاق ووعي الناس السياسي والاقتصادي والمجتمعي.. لكن وصلت لقناعة وأنا في الخمسينيات أن قمة العقل أن لا تقاتل وحدك في معركة قد تحتاج أدمغة ورؤوسا تؤمن بحقيقة أن التغيير سنة كونية، وبالأخص في مهنة تتغير كل يوم في مهنيتها في كل العالم..
يقول لي صديقي الأثير يكيكي سؤالا بسيطا يتمثل في: ماذا جنيت من معاركك الفارطة في قضايا فردية ومؤسسية منذ نصف قرن تقريبا؟ إجابتي: إنها خيبات لا حصر لها ولولا طبيعة المغامرة في شخصيتي لكنت متفرجا على دكة القراء بلا شك.. صحيح أنني ما زلت متعبا لمعظم رؤساء تحرير الصحف ومسؤوليها في البلد حتى بعد بلوغي سن الرشد.. ولكني أتعاطف مع رئيس التحرير والشباب في «مكة» في التعاطي مع كاتب قد يفاجئهم ربما بما لا يتوقعونه للدرجة التي تأخذهم والصحيفة للجدار الميت.. وأحيانا أقول بيني وبين نفسي: ليه ما تعقل يا أخي وتصير مثل العالم والناس ممن لا يناطحون سقف الرقابة برأسهم من وقت لآخر.. حقيقة لا أضمن نفسي مع كل الخيبات وأظنني سأبقي هو أنا وليس أمام رئيس التحرير والشباب في مكة إلا الاحتساب والصبر على ما ابتلاهم الله به من كاتب ليس بعاقل بمعيار كتبة الرأي في الصحافة.. قلت لكيكي أتعلم أنني أستأنس كثيرا عندما يتركني الرقيب أفعل ما أريد ربما عطفا أو مزاجا أو من باب خلينا نشوف آخرتها معاه.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.