تكمن أهمية قنوات النشر في كونها الوعاء الثابت والدائم للكلمة الفاعلة والخلاقة، الكلمة التي تجمع بين القوة والضعف، والخطورة والانقياد، ولهذا تتعرض الكلمة لمحاولات الإلغاء والتدمير، عند محاولات التدجين. ولعل السؤال الأبرز: متى تكون الثقافة مدجّنة؟ ربما يحتاج هذا السؤال إلى الإشارة إلى حادثتين تاريخيتين مهمّتين تتصلان بهذا، الأولى منهما تتمثل في حكاية أستاذ من جامعة نوتنغهام زار مكتبة لينين في موسكو في سبتمبر 1958م، راغبًا في الاطلاع على الكتب التي تهمّه في حقله الأكاديمي، لكنه فوجئ بـدليل المكتبة الذي تضمن كتبًا قليلة لا تنبئ عن محتويات المكتبة، ولا تلبي رغبته في الاستزادة، فذهب إلى موظف المكتبة، واستفسر منه عن ذلك الدليل الذي لا يتضمن سوى مراجع قليلة في الحقل، ابتسم الموظف وأخبره أن عليه أن يملأ نموذجًا خاصًا، حتى يتمكن من الحصول على الكتب المطلوبة، فبعض الكتب ليس من الممكن تناولها للقارئ العادي، قام الأستاذ بملء النموذج، وأُحضرت الكتبُ وقد وُضع على صفحة العنوان في كل كتاب منها عبارة (المخزن الخاص). كانت دهشته أكبر حين لحظ أن هذه الأختام في بعض الكتب تغطي أختامًا أقدم تضمنت كلمة (ملغى).
أما الحادثة الثانية فتصل باتهام النظام النازي بإتلاف ما يقارب عشرين ألف كتاب في 10 مايو 1933م، لثلة من الفلاسفة والمفكرين والشعراء الذين وقفوا ضد النازية مثل (كارل ماركس) و(ألبرت إينيشتاين) و(بيرتولت بريخت) و(هيلين كيلر) و(فرانز كافكا) و(إيميل زولا) وغيرهم.
يمكن النظر إلى هاتين الحادثتين في كونهما مثالين صارخين للإجابة عن السؤال، من خلال كيفية تعامل بعض الدول الأوروبية مع منجزها الثقافي فيما يتصل بممارسة الرقابة التي تصل حد الإلغاء للكتاب، ومارست الإلغاء أولًا ثم العزل وتحديد قرائها، تحضر الرقابة فيزداد حضور الكتب الممنوعة.
لا يغيب السؤال في عالمنا العربي ولا تغيب المعاناة، بل تظل حاضرة بصورة أوضح ومتواترة، فمنع الكتب والرقابة عليها، وحجب المواقع الإلكترونية، يظل هاجسًا له صيغة فردية وأخرى شعبية، ويمثل معاناة دائمة للمؤسسات والهيئات، ذلك أن العلاج الذي تتوخاه السلطة
لا يتجاوز قرارات سريعة تعتمد على المنع أو الحجب أو الإيقاف، وكل ذلك في حقيقته يؤدي إلى مزيد من الاهتمام الذي يتجلى في الحصول على ما منع أو حجب، ويعني ذلك تقديم إضافة دعائية وجمهور أكثر، ولو خلا الأمر من ذلك لنجحت السلطة بأنواعها في الاستفادة منه، بالحوار وإصلاح الأخطاء التي كشفها ذلك الكتاب أو الموقع، كما أنها تترك الحرية للمتلقي لتحديد قيمة الكتاب أو الموقع إيجابًا أو سلبًا. ذلك أن الآثار المترتبة على المنع أو الحجب تتزايد ولا تنتهي ومنها يمكن أن نشير إلى خلق نموذجين لإنسان غير سوي: استهلاكي عاجز عن الإنتاج، وتبعيّ غير واع، وكلا النموذجين يشكلان خطرًا، بل هما أخطر من حجب موقع أو منع كتاب.
من حجب الأفكار إلى منع الكتب
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
