كان الموقف السلبي الذي أخذه الرئيس العراقي جلال طالباني من القرار الذي أخذته الأحزاب والكتل المعارضة الكبيرة في أربيل من عام 2012 برعاية مباشرة من رئيس إقليم كردستان (مسعود بارزاني) وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الحليف الاستراتيجي الذي يتقاسم مع حزبه الاتحاد الوطني الكردستاني السلطة في الإقليم بصورة متساوية (مناصفة) منذ أكثر من عشرين عاما، من جراء انسحابه في اللحظة الأخيرة من قرار سحب الثقة من المالكي بعد أن وقع عليه رسميا بضغط مباشر من طهران التي تعتبر الحليف الأقوى الاستراتيجي لطالباني وحزبه منذ الثمانينات من القرن الماضي، وكان أول شرخ حقيقي في العلاقة الاستراتيجية بين الزعيمين الكرديين، ثم بدأت الهوة تتسع أكثر بعد الانتخابات البرلمانية الكردية التي جرت في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي والتي أسفرت نتائجها عن فوز حزب بارزاني بالمركز الأول بينما تراجعت شعبية حزب طالباني بشكل ملحوظ محرزا المركز الثالث بعد أن حلت محله في المركز الثاني عدوته اللدودة «حركة التغيير» المعارضة المنشقة عنه قبل عدة سنوات بزعامة «نوشيروان مصطفى»..
وإزاء اختلال ميزان القوى السياسية في الإقليم، وظهور المعارضة في الواجهة السياسية، وجد مسعود بارزاني فرصة مواتية للتخلص من خصمه القديم الذي خاض معه صراعات مريرة ومواجهات مسلحة قاسية منذ الستينات من القرن الماضي وينسحب من الاتفاقية الاستراتيجية التي وقعت بينهما عام 2007، ويتوجه بالتالي نحو حركة التغيير المعارضة، لإبرام اتفاقية معها لتشكيل الحكومة القادمة من خلال اعطائها المناصب العليا كرئاسة البرلمان ووزارة المالية و»البيشمركة» التي تعتبر بمثابة وزارة الدفاع في الحكومة العراقية، الأمر الذي اعتبره حزب طالباني استفزازا من جانب حزب بارزاني له ومؤامرة يدبرها ضده، ولم يقف المسؤولون في هذا الحزب عند حد التنديد فحسب، بل هددوا باستخدام السلاح لإفشال المؤامرة المزعومة ضد حزبهم، وقد قاموا فعلا بتنفيذ تهديدهم وذلك باستهداف مقر حزب بارزاني بالأسلحة الخفيفة لمرتين على التوالي خلال هذا الشهر في مدينة السليمانية (منطقة نفوذ حزب طالباني)، رغم نفي المسؤولين الحكوميين صلة هذا الهجوم بتشكيل الحكومة الجديدة وكذلك دخولهم في اشتباك مسلح مع حزب بارزاني في مدينة كركوك ما أسفر عن قتل وجرح 19 شخصا، كنوع من «قرص أذن» و» عرض عضلات» وإشعار الطرف الآخر بقوة الحزب وجدية تهديده، وعلى الرغم من هذه التصعيدات الأمنية والسياسية الخطيرة نوعا ما، فإن حزب بارزاني يبدو أنه مصمم على المضي في خطته لتشكيل الحكومة الجديدة مع حركة التغيير وإسناد المناصب المهمة لها وفق الاتفاقية المبرمة معها، والتخلص نهائيا من تبعات الحرب الباردة -إن صح التعبير- التي خاضها مع حزب طالباني طوال العقود الماضية والقائمة على التنافس والتصارع على النفوذ والمصالح وزعامة الشعب الكردي.
يبدو أن سياسة التقارب والمصالحة التي اتبعها الحزب الديمقراطي الذي يمثل السلطة السياسية، كونه يسيطر الآن على معظم مفاصل الإقليم ومؤسساته الحيوية، كرئاسة الإقليم ورئاسة الحكومة والاستثمار وإدارة النفط والعلاقات الخارجية وغيرها من المناصب المهمة، تجاه حركة التغيير المعارضة، تحقق له هدفين استراتيجيين مهمين؛ أولهما: أنه يسحب رجلي الحركة إلى داخل السلطة التي طالما تصدت لها وشككت في قدرتها على قيادة المرحلة الحالية وانتقدت سياساتها الفاشلة تجاه بغداد، لتخوض تجربة صعبة وغير مضمونة العواقب داخل السلطة وخاصة أنها لا تملك أي خبرات تذكر في إدارة الوزارات ومسؤوليات الدولة ومهامها الصعبة التي ألقيت على عاتقها، أي أن الديمقراطي الكردستاني وزعيمه مسعود بارزاني يراهنان على فشل حركة التغيير في تجربتها الجديدة داخل السلطة، بهدف إفراغها من محتواها كحركة معارضة وإسقاطها في أعين الجماهير والشعبية الطاغية التي اكتسبتها في غضون فترة قصيرة جدا، ولتكون والسلطة التي يمثلها هذا الحزب على حد سواء (ماحدش أحسن من حد). والهدف الثاني من انفتاح بارزاني على الحركة الكردية المعارضة هو: أن يتخلص من منافسه القديم وشريكه في الحكم وحليفه «الاتحاد الوطني الكردستاني» الذي انطفأ بريقه وساءت حاله وأصبح عبئا عليه -كما قلنا- خاصة بعد الخسارة التي مني بها في الانتخابات العامة وعقب مرض زعيمه القوي جلال طالباني.
لا شك أن استجابة «حركة التغيير» لخطوة الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم، لتشكيل الحكومة، وسرعة تغيير خطابها السياسي ومواقفها المتشنجة السابقة، ونبذ شكوكها في سياسة السلطة، قد مهدت أجواء مناسبة لظهور سياسة جديدة بعيدة عن المحاصصة الحزبية واحتكار مؤسسات الإقليم من قبل الحزبين النافذين المسيطرين على مقادير السلطة منذ 1991، وقد تتغير المعادلة السياسية برمتها ويتم تكريس معادلة جديدة أكثر نفعا لشعوب إقليم كردستان.
معادلة سياسية جديدة في إقليم كردستان العراق
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
