وكان بالإمكان لهذا العدد أن يزداد غير أنّ “الفرمان” المعدّ لهذا الغرض سلفاً، يتعذّر عليه إمكانية الاستيعابِ لما هو أكثر من هذا الرقم السبعيني، كما أنّ لهذا الأخير (فخامته) الباذخة بدالّه الشرعي المعتبر، بحيث قد أضحى علامةً صوتيّة تمهد الطريق بالقبول المطلق تلقياً، على نحوٍ مهيبٍ من وقع جرس صلصلةِ السبعين وبقية شقيقاتها من ألفاظ العقود، وبخاصةٍ حينما تُقحم بين يدي النصوص فتمنحها هيبةً ووقارا. أوليس: (سبعون من قضاة -أمّتي-) متى ما اتفقوا إفتاء/ وحكماً على فصلِ رأسٍ عن جسده؛ كان لهم ذلك حتى وإن يكن ذلك الرأس أكبر من رؤوس الحنابلة كلهم؟! إذ يستحيل في العادة أن يتواطأ السبعينيون إلا على ما من شأنه أن يحفظ للأمةِ: “عقيدتها” مِن أن تلتاث برأي نابتةٍ تُغلّب الـ”لا” على الـ”نعم”، وفق منهجٍ دخيلٍ قد يؤسس هو الآخر لعبثيّة عقديّةٍ، الغفلةُ عنها قد تطاول أركان “السمع والطاعة” بشيءٍ من اهتزاز لا سمح الله!
وعلى أيّ حالٍ.. فإنّ الواحد من هؤلاء (المفتين بقتل أحمد) حتى يكونَ عضواً فاعلاً (في جماعة السبعين) لا بد أن يتوافر على شرطٍ بيّنٍ يمكن إيجازه بالآتي:
غشيان بلاط الخلافة دون أن تُعوزه أنظمة البلاطِ بالمروق بين يدي حُجّابها.
ولئن بلغ السعي مع أحدهم فجوراً في الخصومة، فإنه لا يجد أدنى غضاضةٍ في أن يقول للخليفة المعتصم: (اقتله يا مولاي وعليّ دمه يوم يقوم الأشهاد) يلفظها بدمٍ بارد، وبإيماءة من كفٍ غير مرتعشة، وكأنها تشير إلى واحدة من بهيمة الأنعام بالجوار حيث زريبة قصر الخلافة، ويمعنُ في جبروته ليعيدها ثانية: بمخارج حروف سليمةٍ، لا نحتاج معها إلى أن نتأول “عبارته المجرمة” والمتقاطرة دما، فضلاً عما استبطنته من غاياتٍ سياسية، لن يجد المفتِي/ والمفتَى له أنجع من مثل هذه “الشعارات الدينية” ذات البعد الجماهيريّ وسيلةً لتحقيق المآرب الأخرى.
وإلا فمَن يُصدّق أن يكون خليفة بضآلة ما عليه “المعتصم” من علمٍ/ وخشيةٍ، وبما امتاز به من طيشٍ وحُمقٍ، هو في الأخير مَن كان يتهيّب تحرّجاً، التخوّض في مسألة “الدماء”، فيما نظفر بـ(قاضي القضاة) وقد استحال بذاته “نطعَاً” في سبيل إغراء الخليفة الأهوج بـ”قتل” أحمد؟!
وبالضرورة فإنّ التّعجب سيتجاوز أمداً أبعد من ذلك وبكثير، حين العلم بأنّ من كان على رأس تبنّي هذا الرأي المختزل بـ”سياسة فصل الرؤوس عن أجسادها” ودفعه اعتسافاً باتجاه التنفيذ، هو المنظّر لأرباب نظرية “العدل” و”الحرية” بل هو من كان يشحذ للخليفة سيفه بين فينةٍ وأخرى.. ولعلّ “ابن أبي دؤاد” ومن معه من “قروب السبعين حرامي” قد مُنوا بشرّ هزيمة يوم أن آثر “المعتصم” أن يُطلق سراحَ “ابن حنبل” والإبقاء عليه تحت إقامةٍ جبريّةٍ والاكتفاء بمنعه من الحديث في المجالس العامة!
كبُرت كلمةً تخرج من أفواه (المعتزلة) إن يقولون إلا كذباً/ وسياسية. وإني لأعلم أن طائفةً -من ربعنا- يضيق صدرها بما نقول.. وبأن يُعاد -ثانيةً- ما كان من “المعتزلة” بوصف هذه الأخيرة نخبة مثقفة “ليبرالية” ذات توجهٍ تنويري استعملها “المأمون/ والمعتصم/ وابنه الواثق” باعتبارهم أداوت للسيطرة والهيمنة ليس غير.. كما هو شأن “المتوكل” الذي لم يقل عمن سبقه إجراماً غير أنّ أدواته هذه المرة كانوا: (أهل الحديث) لأسبابٍ ليس تخفى على من له “عقل” وهو سديد!
وعلى ذلك يسوغ لي أن أتساءل: أيّ التيارين قد أفلح وأحسن صُنعا؟!
لا نحسب أنّ هذا التنوّع -فيما بين التيارين- والتناوب تالياً في ممارسة ذات الأدوار إلا دليلاً على أنّ “السياسة” هي من بينهم من قد قبضت ثمن هذه الفرقة اطرادا في سياقاتٍ من “نجاحاتٍ” قد جرت في سنن الأولين.
وأسأل الله تعالى أن يعامل “الماوردي الشافعي” و”أبا يعلى الحنبلي” بما يستحقان؛ ذلك أنّهما صاحبا أول بادرةٍ أحالت “السياسة الشرعية” إلى محض “سياسيةٍ سلطانية” خالصةٍ للوالي إذ لا يشركه فيها من أحد.
ومن كتابيهما –عقب القراءة الفاحصة لهما- أستطيع القول: هما مَن يتحملان وزرَ مسؤولية الشرعنة لـ”الاستبداد” بحيث قد سنّا في فقهنا “السياسي الشرعي” القول بحرمة “الحرية” على نحو من تأليه “الخليفة” والنأي به تالياً عن أن يُسأل عما يفعل، وَفق ضمانةٍ “شرعيّة” توكّدت من خلال ما بسطاها في كتابيهما من تكلّفٍ في استدلالٍ لا يستقيم ديانةً ومنهجاً وكليّات ما جاءت به الشريعة. ولست أجافي الحقيقة حين الزعم بأنك: ما إن تنته من قراءتك هذين الكتابين -قراءة واعية- حتى تخرج لا محالةَ بمثل هذه النتيجة:
إنّ الدين عند “الماوردي” هو الخليفة/ السلطان!

[email protected]