آه على الزمن الجميل! بهذه العبارة التي تأوه بها الشيخ إبراهيم أحمد الغامدي أحد الأعيان وكبار السن بمنطقة الباحة استهل حديثه لـ»مكة» قائلا: أفراح أهالي قرى المنطقة كانت أفراحا بمعنى الكلمة، فيها طعم الفرح الحقيقي.
وقال في كل مناسبة زواج كان جميع أهالي القرية يستعدون لها وينتظرونها عن بكرة أبيهم بشغف وشوق كبير، فتنصب الخيام قبل المناسبة بأيام بسوق القرية بجوار المنازل وتجهز القدور الضخمة بجوارها ويحضر الحطب للطبخ وتحضر الذبائح ثم تنشر عقود اللمبات بمنزل أهل العريس وداخل الخيام وخارجها حتى تصبح القرية بمن فيها بهجة ومنارة.
وأضاف كان شباب القرية يتسامرون داخل الخيام المنصوبة قبل موعد الزواج حتى الصباح والمناسبة والمكان فرصة ليجتمع الجميع في أجمل حلل الترابط الاجتماعي ثم يحين يوم الفرح فتجدهم مستعدين للمناسبة، ويجهزون الإفطار داخل الخيام (كبدة ومقلقل) حيث يتولى تجهيزه مجموعة من الشباب فيما يكون شاي الجمر متعة الجلسة للحضور ثم يدعى من يقومون بذبح الذبائح لتناول طعام الإفطار قبل أن يكملوا عملهم بتقطيع اللحم وتجهيزه من بعد الظهر لوضعه بالقدور وإيقاد النار في الحطب المجهزة مسبقا، ويجهز بالطبع غداء ضيوف العريس والمتواجدين.
ويضيف الغامدي أن مناسبات الزواج فرحة حتى للمسافرين من أهل القرية الذين يعملون في المدن حيث يحضر أقارب العروسين ويتولى والد وأسرة العريس ضيافتهم منذ حضورهم قبل الزواج بعدة ليال، وتكون الذبائح والولائم والفرح مستمرا داخل الخيام ومنازل أهل العريس في متعة الاجتماع والأنس ثم يحين موعد الفرح بالمساء، ويجهز العشاء الذي يقوم على إعداده مجموعة متكاتفة من أهل القرية، وبعد أن يتناوله الجميع غالبا ما كان أهل العريس يقيمون العرضة الشعبية التي يحييها شعار المنطقة بحضور كامل أهل القرية كما يتوافد للعرضة عشاقها من كافة القرى، وتستمر حتى بعد منتصف الليل.
وبعد مغادرة العريس مع عروسه لمنزل العريس، وليس الفندق حاليا، يقول الغامدي إن شباب القرية يسمرون حتى الفجر مستمتعين بشاي الجمر الذي لا ينقطع حتى الصباح، فيما يذهب كبار السن ومن كانوا يقومون بمهمات الطبخ وتجهيز القهوة بالراحة للاستيقاظ مبكرا لتجهيز الإفطار لأهل المناسبة والحضور من الأقارب.
ويتذكر أن نوم الجميع يكون في منزل أهل العريس ورغم ضيق أغلب المنازل إلا أن الغرابة أنها كانت تستوعب عشرات الرجال والنساء للنوم بها قائلا: بأن الجميع كان يردد أن قلوبنا واسعة وينامون مع بعضهم، والنساء مع بعضهن، وقلوب الجميع طاهرة فهم متقاربون ومتحدون في كل شيء..
ويضيف الغامدي حتى النساء كانت لهن طقوسهن طوال أيام المناسبة حيث تحضر شاعرات المناسبة والنسوة يستمتعن ليل نهار بضرب الدفوف واقفات يرددن وراء الشاعرة القصائد ويبتهجن في مناخ رائع ومفرح ويستمر الحال ثلاثة أيام بلياليها وأحيانا أسبوعا كاملا.
ويستطرد أنه منذ بزوغ ظاهرة قصور الأفراح انقرضت مظاهر الفرح والسرور وطقوس المناسبات السعيدة حتى أصبح أهل العريس والعروس ضيوفا فقط والعمالة تقوم بعمل القهوة والشاي وتوزيعها على الحاضرين ويتولى المطبخ تجهيز وليمة العشاء وفي قصر الأفراح يحضر أغلب أهل المناسبة قبل موعد العشاء وبعد تناوله يغادر الجميع بمعنى أن المناسبة فقط ساعات قليلة محدودة وكل شيء جميل تغير وانقرض حتى أهل العريس أصبحوا لا يرون ابنهم ولا يشاركهم الفرحة إلا لحظات مع عروسه ليلة الفرح ثم يغادر من وقت انتهاء المناسبة.
وتحدث الغامدي قائلا بأسى: يا ولدي لا توجد مقارنة أبدا، صدقني إن مناسبات اليوم وأفراحها لا تعتبر مناسبات ولا أفراحا، وكأنها أتراح، ثم تنهد تنهيدة طويلة متأسفا على الأيام الخوالي، فقال: كان الفرح سابقا فرحا بما تعنيه الكلمة، وكان أهل القرية على قلب رجل واحد، ومناسبة أي فرد من الجماعة كأنها مناسبة الجميع، لذا تجد الجميع يشارك فيها، ويقوم الشباب بصب القهوة والشاي للضيوف حتى تجهيز العشاء، إذ يقوم الرجال بغرفه، وهو غالبا مكون من الأرز ولحوم الذبائح والدغابيس المصنوعة من الحب واللحم البلدي مع المرق.
(هذه الأيام يا ولدي لا طعم للزواجات) يضيف الغامدي ضاحكا يا ولدي العريس أصلا ما سار أهله يشوفونه، قبل الزواج يتجهز، وفي ليلة الزواج أو اليوم الثاني يسافر واصفا العرسان بـ(أولاد مدلعين)، ويضيف كان العريس يشارك أهالي القرية الفرح لثلاثة أيام، وتساءل متندرا هل تسمون هذا فرحا، من يذهب لصالة الأفراح قبل العشاء ويذهب الجميع بعده مباشرة، هل هذه مناسبة؟ قائلا (الله المستعان، على الأيام الحلوة التي ذهبت).
ثم اختتم الغامدي حديثه قائلا: كنا قريبين من بعضنا، وكانت القلوب متقاربة ومتآلفة) واليوم تباعد الجميع وتباعدت القلوب، أصبحت لا ترى جارك بالأسابيع بل بالأشهر (الله يرحم زماااان أول) ثم قال ضاحكا: يا ليالي السعودي بالفرح والأنس عودي، وقال لا أظن العودة.

