ما إن تشرق الشمس، إلا وتجدها تخطو بخطاها الثابتة، دون أن تلقي لصحتها بالا، أو تكترث لحياتها هما، سوى أن تقوم بالعمل ذاته، الذي تعودت عليه منذ صغرها، عندما كانت ترعى الغنم في الأودية والشعاب التي كانت خالية من السكان والمباني والطرق غير المعبدة حينذاك.
اليوم كأنها تبحث عن الكلأ تحت أطنان الاسفلت، وبالرغم من أنها في سن أصبحت تحتاج فيها إلى رعاية، إلا أنها لم تأبه لنفسها، بل اعتادت طيلة الأعوام السابقة أن تحترق بلهيب الشمس الحار، متجولة بستة رؤوس من الماعز وباحثة لها عن بقايا شجيرات، أو شيء من العشب في الممرات التي تقع بين المباني الجبلية، علها تجد ما تسد به رمق جوع أغنامها التي رفضت أن تبيع إحداها، مهما كلف الثمن، لأنها تستأنس بها كل يوم وتذهب معها، وتناديها بصيحات من الماضي، وهي تحمل بيدها كيسا تضع فيه قليلا من العشب، وتتمتم بعبارات كأنها الرمز، الذي تفهمه أغنامها، التي تدر عليها الحليب من وقت لآخر.
وبعد أن تتجول بها بين الأودية المجاورة لمنزلها، رافضة الحديث لنا، سوى بكلمات بسيطة قالتها وهي مستمرة في الابتعاد وهي، تراقب أغنامها قبل آلامها أخبرتنا فيها، كم هي الحياة قصيرة وقاسية، ومليئة بما تغص به أقلامنا، وتذرف له الدموع عن ماض جميل قد رحل، ولن يعود، بينما بقيت في ذاكرتها قصتها في الحياة الريفية الجميلة، التي لن تنساها أبدا، وإن تحولت أوديتها وشعابها عبر السنين، إلى مدينة، تعج بالحراك الاجتماعي، والتعدد السكاني، وكثرة المباني التي طالت كل الأودية القديمة، التي كانت تمرح بأغنامها بها، دون مضايقة من أحد، خلاف ما هو حال اليوم، في زمن لا يرى فيه الإنسان إلا نفسه، وما يصل إليه من تقدم حضاري.
كل ذلك الحراك والتغير لا يعني لها سوى إجراءات تعسفية جاءت على حساب الطبيعة التي هي مصدر الغذاء ،كما قالت «أم عبدالله» 64 عاما وهي ترتدي وشاح الحشمة بلونه الأسود، الذي يخفي خلفه تجاعيد رسمها الزمن، متوجهة صوب المكان الذي تأمل أن تجد فيه قليلا من العشب، لتطعمه أغنامها بعد أن تحولت كل المراعي، إلى مخططات سكنية غير صالحة، للبيئة الحيوانية، وأصبح كل ما فيها غير مألوف، بالنسبة لها اليوم، فهي تحب بيئتها البدوية الأصيلة وتفتخر بها وبنشأتها فيها، وبين أوديتها وجبالها، ولا جدوى من الحديث معها في هذا الجانب، خصوصا بعد أن فقدت المكان الواسع والكبير، الذي يذكرها بطفولتها، وهي تركض خلف صغار الأغنام، وتلعب معها، في زمن تتمنى أن يعود، واستمرت خطاها تتباعد وهي صامتة ودون أن تنظر مرة أخرى.