إن من أهم الأمور التي تمر على الإنسان بعد ولادته (عمليتين)، هما التربية والتعليم، فمنذ اللحظة الأولى من حياة الإنسان يبدأ الطفل في التعلم على الرغم من أننا لا ندرك المدى الذي يستطيع تعلمه، ولكن لو افترضنا أن الرضيع يتكلم فسألناه ماذا يفعل؟ لأجابنا (إنني أتعلم)... أتعلم كيف أنام، وأتعلم كيف ومتى وقت الرضاعة، وأتعلم كيف أجلس، وكيف أحبو، وكيف أتكئ على الجدار، وكيف أقف، وكيف أتناول الطعام...إلخ، ثم تبدأ بعد ذلك عملية التربية المنزلية أو تربية العائلة، حيث تبدأ العائلة تأخذ بيد الطفل لتربيته على المبادئ والقيم والسلوكيات، فتربيه على كيفية احترام الآخرين، وكيفية التعامل مع إخوانه وأخواته، وكيف يتكلم بأدب، وكيف يصلي، وكيف يتحدث، وكيف يتعامل مع الأطراف الأخرى، ثم تقوم رياض الأطفال والمدارس والجامعات بتعليمه القراءة والكتابة وإعداده ليكون عضوا صالحا منتجا في المجتمع... ويقع العبء الأكبر في هذه المراحل بالإضافة للمنزل على وزارة التربية التعليم.
لكننا وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاما مضت، وجدنا أن هناك شرخا عميقا في نظام التربية والتعليم في بلادنا، يتمثل في القرارات التي أستطيع أن أقول إنها كانت وما زالت متسرعة غير ناضجة، فكثير ممن رجعوا إلينا من خارج المملكة بعد حصولهم على درجة الدكتوراه في تخصص التربية والتعليم أو المناهج أو غيرها، وتم تعيينهم في وزارة المعارف (التربية والتعليم حاليا) أخذوا يجربون ما يحلو لهم في أبنائنا، وبدعم غير مدروس بدقة متناهية من الوزراء الذين تولوا الوزارة، مما نتج عنه إصابة الأجيال المتتالية ومنذ بدء التجارب عليهم بصدمة أثرت على تحصيلهم العلمي وعلى مكتسباتهم التربوية، وأصبحت صورة التربية والتعليم لديهم يشوبها تشويش وقتامة.
وإنني أتساءل: إلى متى سيبقى أبناؤنا حقول تجارب؟ ومتى سنستقر على نظام معين واضح المعالم محدد الأطر يمكننا تطبيقه لفترة زمنية نحددها بعشرين عاما مثلاً؟
إن تغيير النظم التعليمية والتربوية خلال فترات قصيرة يؤثر سلبا على مخرجات التربية والتعليم، لذا نشاهد جيلا مشوشا، كأنه بلا هوية علمية وسلوكية وتربوية، فهو لا يتمسك بتقاليد ولا بعرف، ولا يحمل علما ولا فكرا ولا منهجا ناضجا مثمرا له نتاج يفيد المجتمع يقوده لحياة أفضل ويخلق منه مواطنا صالحا يخدم دينه ومليكه ووطنه والمجتمع الملاصق له، حتى وصل بنا الحال لدرجة التملص من القيم، فلا احترام لقيم، ولا تقدير لمجتمع، حتى في الدين الذي ندين به.
نجد الفتيان والشباب يلعبون الكرة بجوار المسجد مباشرة بينما الصلاة قائمة!! ونجد الموظفين ومديري الإدارات ورؤساء الأقسام في دوائرنا الحكومية لا يأبهون بعملهم ويقضون معظم وقتهم في قراءة الصحف وفي (ضرب الحنك)، وارتشاف القهوة والشاي، ومشاهدة القنوات الفضائية على حواسيبهم الآلية وأجهزة الآيباد التي يصحبونها معهم لأماكن عملهم، آمنين العقاب والحساب من أي شخص (لأن الجميع تربوا على ذلك)!! كما نشاهد شبابنا عندما يقودون سياراتهم مسببين إزعاجا كبيرا للناس، مرتكبين حوادث مرعبة لنصبح أول دولة في العالم (ليس في الأبحاث العلمية ولا في العلوم والصناعة) ولكن في نسبة حوادث السيارات!! بل أصبح المجتمع من كبيره إلى صغيره لا يتقبل النصح، وهذا أيضا نتاج التربية الخاطئة التي أنتجت لنا هذه النماذج، لأننا حولنا أبناءنا إلى حقول تجارب، فأصبح الأبناء والشباب مشوشي الفكر، غير واثقين مما تعلموه، بل لم يكن للتربية التي تلقوها أي تأثير في حياتهم، لأنها تربية مهزوزة ليست ثابتة، فكل عام نجد فكرا جديدا، ومناهج جديدة، وتغييرات جذرية ومدارس مختلفة.. وكلنا يعرف كيف مررنا بالمدارس الجاهزة (التي هدمت فيما بعد) والمدارس المطورة ومدارس بلا حقيبة والمدارس الشاملة!! وكلنا مررنا ونمر بقرارات تثبيت الاختبارات وإلغاء الاختبارات، في المرحلة الابتدائية.. والآن وفي منتصف العام الدراسي نسمع أن التقويم المستمر سيلغى وأن الاختبارات ستحل مكانه!
إذا لماذا طبقت فكرة التقويم المستمر في مدارسنا أصلا؟! ثم لماذا تلغى؟! وهل هذا يصب في مصلحة الطلاب؟! وهل يصب في مصلحة التربية والتعليم في بلادنا؟! ثم خرجوا علينا باختبارات التحصيل واختبارات القبول! والمتضرر وليس المستفيد هو الطالب! ففي كل يوم يتلقى أفكارا جديدة وقرارات مختلفة، فخلق لنا هذا التخبط جيلا متخبطا.. نسأل الله أن يحفظ أبناءنا من هذه التجارب، وأن تستقر وزارة التربية والتعليم على خطة مدروسة دقيقة غير متسرعة، يشارك في إعدادها أساتذة الجامعات ومعلمو التربية والتعليم من المتقاعدين ومن من هم على رأس العمل ومديرو التربية والتعليم في المناطق، وكذلك يشارك فيها أولياء الأمور والطلاب، لأن عملية التجارب واهتزاز أنظمة التربية والتعليم لا يبشران بإيجاد جيل متزن واثق من نفسه، بل لقد أوجدا لنا جيلا يتصف بالغرور واللا مبالاة وعدم الإخلاص، جيلا غير متزن، مترددا مشوشا، لا يحب العمل ويميل للكسل وهدر الوقت، لا يفكر في الحفاظ على مكتسبات الدولة، وأقل ما يمكن أن تشاهده وأنت تسير في الطرقات والطرق السريعة الهمجية والفوضى وبقايا المناديل وعلب المرطبات وأكياس البلاستيك التي ترمى من السيارات، لأن هؤلاء لم يتربوا في مدارسنا التربية الصحيحة!
وقد تكون هناك عوامل أخرى مصاحبة لمسألة حقول التجارب التي أوجدتها وزارة التربية والتعليم في مجتمعنا منذ سنوات بعيدة، وجعلت من أبنائنا ضحية لهذه التجارب، لكنها لا ترقى إلى قوة وتأثير عوامل الوزارة...فإلى متى يبقى أبناؤنا حقولا للتجارب؟
إلى متى سيظل أبناؤنا حقولا للتجارب؟
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
