رغم حركة التطور المتسارعة التي تشهدها علوم الطيران في السعودية، إلا أن أصالة الماضي ما زالت تتربع على عرش ركن مهم بارز يقع يسار مدخل مبنى السلامة في أكاديمية الأمير سلطان لعلوم الطيران بجدة.
هذا الركن يقف فيه أول جهاز تشبيهي استخدم في تدريب الطيارين السعوديين، والذي وطئ الأراضي السعودية عام 1956، حيث يحاكي حينها الطائرات من طراز "كونفير 340"، أول طائرة في أسطول الخطوط الجوية السعودية ذات مقصورة مكيفة بالهواء المضغوط.
حجمه الصغير جعله لا يتسع إلا لشخص واحد فقط، وبصعوبة يتخذ بداخله وضعية الجلوس، مع تقنيات أقل من متواضعة، إلا أنه شهد تدريب كبار الطيارين السعوديين ممن ذاع صيتهم وتولوا مناصب قيادية يشار إليها بالبنان.
طراز "كونفير 340" دخل إلى السعودية عام 1954 بـ10 طائرات تم تسلمها رسمياً خلال العام نفسه والذي يليه، حيث سيّرت الخطوط الجوية السعودية آنذاك أول رحلة بواحدة من تلك الطائرات من مطار الظهران الدولي.
ولم يخدم هذا الجهاز التشبيهي أكثر من ثلاثة أعوام ليحال إلى التقاعد بالتزامن مع اختفاء طائرات الكونفير، غير أن تلك السنوات الثلاث منحته حق الاحتفاظ به طيلة نصف قرن رغم بدائيته وخلوه من المؤثرات الحركية.
وقع هذا الجهاز على النفس حتماً سيختلف من فئة عمرية إلى أخرى، فالشباب ربما يقابلونه بالنكات والسخرية، كونهم عاصروا أحدث الأجهزة التشبيهية المتحركة التي ربما تتحول هي الأخرى إلى ماض مضحك بالنسبة للجيل القادم في ظل تسارع وتيرة الحداثة في قطاع الطيران.
وفي الوقت نفسه، فإنه أول جهاز تشبيهي سيستوقف الطيارين الكبار كي يستعيدوا من خلاله ذكريات بداياتهم المهنية ويستعرضوا من خلاله مسيرتهم المهنية الحافلة بالإنجازات، فتزداد قناعاتهم بأنهم نجحوا في التميز رغم قلة الإمكانات ومحدوديتها.