الكارثة على شكل حرب أهلية، الغزو الروسي، التقسيم، كلها أمور ليست حتمية، لكنها لا تزال محتملة. الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا يوم الخميس الماضي، والذي يقضي بأن يقوم المحتجون في شرق أوكرانيا بإخلاء المباني الحكومية التي احتلوها ويتخلون عن أسلحتهم مقابل مساحة أكبر من الحكم الذاتي للمقاطعات المؤيدة لروسيا، تسبب بإبطاء الزخم نحو الصراع الأهلي، لكنه لم يلغه تماما. المحتجون يصرون أن تكون شرعيتهم مثل شرعية الحكومة في كييف التي وصلت إلى السلطة عبر مظاهرات في الشارع أطاحت بالحكومة التي كانت فاسدة، لكنها كانت منتخبة شرعيا أيضا.
الإعلام الغربي ركز كثيرا على مدى طاعة الميليشيات الموالية لروسيا في شرق أوكرانيا لأوامر الكرملين، لكن مثل هذا الاهتمام يخفي ميزة أكثر أهمية في المشهد السياسي الأوكراني. جميع الانتخابات في أوكرانيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991 أظهرت أن البلد منقسم بشكل متساو بين مؤيدين لروسيا ومؤيدين للغرب، وأن كل طرف من الأطراف قادر على الفوز في انتخابات متقاربة النتائج. الادعاء بأن التمرد في شرق أوكرانيا مصطنع ويدار من روسيا خداع خطير للذات.
مع أن أوكرانيا تختلف عن العراق وأفغانستان، هناك نقاط تشابه مشؤومة في التدخل الأجنبي في الدول الثلاث. أهم هذه الميزات هي أن كل دولة من هذه الدول منقسمة بعمق، والتظاهر بغير ذلك يدعو لحدوث كارثة. في عام 2001، كان غالبية الأفغان مسرورين لرحيل طالبان، لكن طالبان وقبائل البشتون – الذين يشكلون 42% من سكان أفغانستان - الذين تتجذر حركة طالبان فيهم لم يكن بالإمكان تهميشهم. تشكيل حكومة يهيمن عليها تحالف الشمال المعادي لطالبان تسبب بزعزعة الاستقرار في البلد.
نفس الشيء تقريبا حدث في العراق. الأقلية السنية في عهد صدام حسين والذين سبقوه أمسكوا بزمام السلطة في العراق على حساب الشيعة والأكراد. سقوط صدام حسين أدى إلى حدوث صراع طائفي بين السنة والشيعة بشكل أساسي.
تحويل أوكرانيا بالكامل من مؤيدة لروسيا إلى معادية لروسيا كان هزيمة إستراتيجية قاسية لم تكن روسيا لتقبلها دون ردة فعل. أوكرانيا المعادية ستقلل بشكل دائم من شأن روسيا كقوة عظمى وتمنع النفوذ الروسي من الوصول إلى أقصى أوروبا الشرقية. لذلك كان عدم اهتمام أو عدم توقع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالنتائج المتفجرة لدعمهم استيلاء حكومة غير منتخبة موالية للغرب على السلطة في كييف أمرا فيه الكثير من خداع النفس واللامسؤولية. الإعلام العالمي أعطى صورة ساذجة عما يحدث في أوكرانيا تماما كما فعل في أفغانستان والعراق. في جميع تلك الحالات، تمت شيطنة الأنظمة السابقة وتعظيم معارضيها، ولذلك فإن الصورة التي تم تقديمها إلى الناس كانت غالبا قريبة من الخيال.
نفس الشيء يحدث في أوكرانيا. تركيز الإعلام هو في معظمه على مصداقية أو لا مصداقية الانفصاليين في شرق أوكرانيا، ولم يتم الاهتمام بما يكفي بالحكومة الجديدة في كييف. في الواقع، ما هو لافت حول كلا الجانبين هو عدم فعاليتهم: منذ ثلاثة أشهر، تصرف الرئيس الأوكراني حينها يانوكوفيتش وكأنه يملك القوة والسلطة السياسية والعسكرية ليسحق المعارضة، لكنه اضطر للهرب وحيدا عبر الحدود الروسية. في الأسبوع الماضي، أرسلت كييف قواتها بثقة لسحق «الإرهابيين» وإعادة سلطتها في شرق أوكرانيا، لكن تلك القوات سلمت بخضوع آلياتها وانشقت. عندما قتلت قوات الأمن الحكومية محتجين في ماريوبول تبين أنهم كانوا ينتمون إلى وحدات الحرس الوطني التي تم تشكيلها مؤخرا من المحتجين اليمينيين المتطرفين.
نتيجة لانعدام الدعم المنظم يتطور فراغ للسلطة يتم ملؤه بميليشيات سرية. هذا هو نمط الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط. على سبيل المثال، اللافت في أفغانستان ليس قوة طالبان، ولكن ضعف وعدم شعبية الحكومة.
الكارثة في أوكرانيا لا يزال بالإمكان تجنبها من خلال التسوية وضبط النفس، لكن الشيء نفسه كان صحيحا في أفغانستان والعراق. سبب تمزق هذه الدول بالحروب كان الاعتقاد الخاطئ من القوى الخارجية بأنها تستطيع أن تحقق انتصارات رخيصة، وعدم فهم أن الشريك الذي اختاروه محليا لديه مصالحه الشخصية مع عدد من الجهات المعادية.
إن ما يجعل أوكرانيا خطيرة هو أن جميع الأطراف تبالغ في تقدير الدعم الذي تتمتع به، وتقلل الدعم الذي يتمتع به أعداؤها. من خلال قبول شرعية حكومة في كييف تم وضعها عن طريق عملية تدخل مباشرة، تسببت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بزعزعة استقرار جزء من أوروبا، وكان عليهم أن يفهموا ذلك قبل أن يقدموا على شيء.