من واقع متابعتي واهتمامي بالتراث والآثار والسياحة السعودية لفت نظري مقال الأستاذ هشام كعكي بهذه الصحيفة الكريمة «مكة» بتاريخ 2 أبريل 2014م بعنوان «السياحة السعودية...المورد الضائع». ينطلق الكاتب بهمته وموسوعيته العالية من نقطة الحادب على ضرورة إرساء دعائم السياحة الداخلية. وأتفق معه في الجهود الكبيرة التي بذلتها هيئة السياحة السعودية، ولكنه ذكر أنّ الهيئة لم تتمكن رغم الاجتهادات من الحدّ من أفواج «الراحلين» سنوياً في كل إجازة إلى أصقاع الأرض من مشارقها إلى مغاربها. قد يكون منطقياً في هذه النقطة بالذات التوجيه ببذل كثير من الجهد إلى جعل السياحة الداخلية جاذبة أكثر، ولكن لن يتحقق ذلك إلّا بخلق توازن في الخيارات المتاحة بين السياحة الداخلية والخارجية. والعبء الأكبر لا يقع على هيئة السياحة وحدها، وإنما الشق الأساسي فيها يكون مسؤولية ينبغي أن يقوم بها الفرد والمجتمع، وأن تكون شراكة وطنية بين الكل. وهي كذلك لن تتحقق بالتمرد على الطبيعة البشرية التي تنزع دوماً إلى الجمال البعيد ولا تقدّر الجمال من حولها، ولكن بالتوعية الاجتماعية من خلال وسائل الإعلام الجماهيري ووسائل الاتصال الحديثة. تجاذبت أطراف الحديث ذات مرة مع شابتين سعوديتين على قدر من الاستنارة حول هذا الموضوع، فأكدتا لي أنّ هناك ميولا عاما تجاه السياحة الخارجية لا لشيء أو تفضيل معيّن، ولكن لمجرد التغيير. وأعجبني تعبيرهما عن أنّ مجرد المقارنة بين السياحة المحلية والخارجية، خاصة في دول عربية قريبة، يُعتبر فيه ظلم كبير لطبيعة المملكة ونجاحها في هذا المجال. ومن غير الركون إلى التصنيف الذي قد يضيّق واسعاً، فإنّ السياحة بمفهومها الشامل هي التأمل في بديع خلق الله تعالى، والتمتع بجمال الكون أين وجد. وتأتي السياحة الداخلية في غالبها كذراع قوية وأمينة لفكرة الولاء للمحلي، ولكنها ليست ضد حضارات أخرى أصيلة أو مصنوعة ومقدمة في قوالب جاهزة. نماذج كثيرة لسياحة قامت على ثقافات متلاقحة تبيّن أنّه لم تكن هناك مدارس سياحية ثقافية فاعلة ومحددة، وإنّما هناك اتباع للحدس أحياناً وللرغبات في أحايين أخرى. والمملكة كمثال، فإنّ الناظر إلى هجين الأرض والصحراء فيها.. تلاقي تضاريس كثيرة داخل حدودها المترامية الأطراف، يستطيع أن يدرك كم هي عظيمة نعم الله التي لن تحوجه إلى البحث عن طبيعة أخرى، ولكن بنفس المستوى فإنّ القادم من الخارج يستطيع أن يرى بشكل أوضح مما يراه الشخص من الداخل، وينجذب الغريب بشكل أكبر من انجذاب من هم في الداخل. صحيح أنّ السياحة الداخلية تتباطأ بالمقارنة مع وتيرة السياحة العالمية، ولكن المغزى لا يُفهَم على هذا النحو، أي إنّ التباطؤ هو بسبب عدم المواكبة، وإنّما لأنّ للسياحة السعودية خصوصيتها وسماتها المتفرّدة. إنّ الأمر لا علاقة له بالانكماش والتمدد، وإنّما بالتعامل معها وتقييمها على أنّها سياحة ناشئة نجحت في النهوض بما يفوق عددا من البلدان الأخرى. وفي هذا المضمار فقد قطعت السياحة شوطاً كبيراً مراعية شروط التوسع الأفقي، فكل مدينة سعودية ومنطقة لها خصوصيتها، وما تشتهر به جدة يوجد غيره في أبها، وما تمتاز به بريدة يوجد المختلف عنه تماماً في سكاكا أو الدمام، ولكن نقاط التلاقي المهمة بين هذه المدن والتي تُعتبر الركيزة الأساسية للسياحة، هي الاحتفاء بالتراث الشعبي الذي أثبتت المملكة عظم ثرائها به.
أمّا فرادة السياحة وما تمتاز به المملكة دون غيرها شرقاً أو غرباً فهي السياحة الدينية، ولمكة والمدينة قدر كبير من الإعزاز في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فالرابط هنا وجداني أكثر منه انتقالاً بالمعنى الحسي، إذ يقصدهما السياح من كل أنحاء العالم لأداء الشعائر الدينية. وهنا أيضاً يمكن ملاحظة أنّ حرص المسلمين الآتين من خارج المملكة على تكرار زيارة الأماكن المقدسة مرات ومرات حتى بعد تأدية الفريضة الأساسية، وتعلقهم بهذه الأماكن المقدسة أكثر من الموجودين فيها.