أبو جعفر المنصور بحسبانه صاحب «سيفٍ»، فإنه لم يكن يملك الكفاءة العلمية/ والعقلية، التي جعلت من كثيرين يظنون بادي الرأي بأنّه هو من قد طلب -وفق الحكاية المشهورة- من مالك بن أنس (الإذن له بكتابة نسخ من الموطأ، ثم توزيعها على أهل الأمصار مع توجيه الأوامر إلى أهل الآفاق بوجوب العمل بما في هذه النسخ، والاقتصار على ما تضمنته من الفقه والأثر، وألا يتجاوزوها إلى غيرها مما أحدثوه من الآراء الفقهية الاجتهادية، قائلا: «اجعل العلم، يا أبا عبدالله، علماً واحداً»، ومعللا ذلك بأن «أصل العلم رواية أهل المدينة وعملهم») وعند التحقيق فحصاً لما ورائيّة الحكاية؛ يظهر لنا في قلب المشهد «ابن المقفع» إذ كان هو صاحب هذا «المشروع الإقصائي» الذي يهدف إلى قصر حراك الناس على ما يخرج «فقها» من بلاط السلطة» حسماً لمادة النزاع ورأباً -وفق المشروع السياسي- لأي تصدع يمكن لمقدماته أن تطاول جدار الخلافة بشيءٍ من مقاربة التّصدع..، والذي قد يمتدّ إليها من الخوض في مسائل في أبواب الطهارة/ والنفاس إلى النفوذ في عمق شؤون الحياة بعامة! وليس بخافٍ أنْ اليوم قد يكون «موطأ» مالك، وفي الغد قد يكون موطأ آخر يصنع ثانيةً على عين الخليفة الآخر.. لتكون «الشريعة» بالتالي مسرحاً لعبث «الخلفاء» إذ كلما جاء خليفة أخرج في الناس «موطأً» خاصّا به، وحينذاك يمكن أن يقال: بأنّ الشريعة قد انحازت لصالح «الموطّآت» على حساب شموليةِ وسماحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم!
وبكلٍّ.. فإنما الذي يجب على «السياسي» فعله هو: السعي باحتواء الآراء المخالفة وإمكانيّة استيعابها بعامةٍ، وذلك بأن تُمنح حقها المعتبر من الإبانة عن نفسها - وفق أصول علمية/ معتبرة -من غير وجلٍ لتوصيف أصحابها بالخروج أو خشية أن تنالهم -راجمة- الإقصاء. شريطة أن لا تربك تلك الآراء المخالفة «السّلم الاجتماعي» أو أن تكون أداة يمكن استثمارها في سبيل التهديد لـ«أمنه» على نحو مِن فعلٍ تحريضيٍّ يدفع بالاتجاه الذي ليس من شأنه سوى التأليب والشّغب.
وما من شيءٍ يمكنه أن ينأى بنا عن وعورة مسالك «التّعصب المقيت»، والذي من شأنه أن لازمنا حِقباً؛ مثل هذا النزوع إلى الاعتراف باختلاف الأمة، ووضع الرأي المخالف تالياً في المحل المعتبر حتى وإن يكن خلافه بيّن الرجحان.. فيما استدلالاته ولئن كانت أضعف مأخذاً غير أنّها بالضرورة الدينيّة إنما كانت تتشوّف الموافقة لمقتضى الدليل على نحو ما هو مبسوط في المباحث الأصولية.
ومن هنا صار «مراعاة الخلاف» أصلا مكينا في المنهجيّة الفقهيّة.. وأيما عملٍ إحيائيٍّ له -بالفعل لا بحلق الدرس فحسب- سيسهم كثيراً في إمكانيّة كبح جماح التّعصب للمذاهب والآراء وأصحابها.. وتبقى «الشريعة» في منأىً عن يدٍ تتخوّض فيها عابثةً متوسّلة بذلك حججاً بحججٍ لا تستقيم وما جاءت به مقاصد الشريعة الكبرى.