يبرز لنا في مجال الدعوة الإسلامية نوعان من الدعاة لا أظن العقل أو الضمير يعجزان عن التفريق بينهما.
أولهما «الحافِظٌ» الذي استقى معارفه عن حافظ سبقه، فيكون مستنسخاً عنه يكرر منطوقه، ويُحسنه بالنبرة والبيان، ودونما قدرة على احترام العقل النقدي الموضوعي، ولا مطابقة الأحاديث بالآيات القرآنية، مما يؤكد على عدم الإلمام بالآراء الفقهية المختلفة، فيحلف للمتلقي بأن ما يقوله مُجمع عليه بين السلف، وأن نهجه علمي أمين شامل عادل، ويبدع في تجميل الصور الواهية بحكايات يضفيها على أحاديثه مما سمع في يومه، ومما ضعفت مرجعيته، أو مما قد لا يثبُت حدوثه مطلقاً.
وغالباً ما يضطر إلى تثبيت المعلومة الضعيفة باجترار الدموع والسب والدعاء على المخالفين، وتحفيز حسرات المتلقين، وجرجرتهم معه إلى أضيق مواطن التشدد والكره والتعنصر، والتي تزيد التعتيم تجهيلاً.
والنوع الثاني هو العالم «الباحث»، والذي لا ينطق إلا وهو يحمل في بيانه، وخلفه، وبين يديه مختلف المراجع مهما اختلف معها، للتثبت والمقارنة وتبيان نسبة الصحة والإجماع، والجرح والتعديل، وتحديد الخلل ونسبته بطرق علمية لا عاطفة فيها، ولا تدليس، ولا تمسح بالسياسة.
ومن أدلة ثقة الباحث بمخزونه أنه يستطيع أن يقف أمام الله شاهداً، وأمام الجميع تأدباً ليقول: لا أعلم.
ثم يغوص بين المراجع مجدداً، ليعود بعدها مبيناً للحقيقة المتزنة دون تجميل، أو تعطيل، أو اجتزاء أو تضخيم.
بينما تجد أن الحافظ المحكوم بالأهواء والمادة، ذو مواقف مقولبة مسبقاً، فلا يقر بعدم المعرفة، ولا يتراجع، لأنه بارع في ترقيع الثغرات ولو ببيت شعر، أو حكاية، حتى ولو كانت من أساطير الأولين.
وعند تغير الأحوال فلن يتردد في الانعكاس كلياً، مدعياً بأن ما فعله كان لنصرة الدين، ومستمراً في صنع كوارثه، التي يورثها للأمة الإسلامية.
وقد عرف التاريخ الإسلامي هذين النهجين منذ القدم، بمد وجزر، أذكته حاجات السلطات، والتنافس الدنيوي، مما أدى لتباعد المسافات بينهما شيئاً فشيئاً، حتى لم يعودا يلتقيان.
الباحث هو العالم الحقيقي، الذي يحتاجه عصرنا، بزهده في الدنيا وكرهه للأضواء ورحمته بالأمة وعقلانيته، وتقديره للاختلافات بين المذاهب، باحثاً عن اليسر مقنعاً عقل من يستمع إليه بشموليته وشفافيته، ومحاولة تفكيك العُقد من خلال الربط المنطقي، وعدم إقحام نفسه في مغالطات تاريخية أو علمية تخصصية ربما تتكشف الأيام عن عقمها وكذبها، فيتناسى ما قاله، ويُرقع الوضع ويلملمه ثم يجرجرنا خلفه مجدداً في دروب الوهم.
عصرنا لم يعد يحتاج للحافظ النجم المغرد المستميت للوصول للأضواء والسلطة والثروات، ولا للمحرك للقلوب العاطفية يبكيها ويوهمها، ويشعل حولها نقاط الاختلاف، ويجيشها بطيبتها، حتى تصبح قضايا الفقه بينها مسألة حياة أو موت.
أدعوا الله أن يُكثر من الباحثين الأمناء، وأن يعينهم على تفكيك ما التصق بالدين من التشويه طوال فترات طغيان فئة «الحفاظ».
الحافظ والباحث
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
