قرار البرلمان التركي الأخير حول إجراء تعديلات جذرية على قانون تنظيم عمل جهاز الاستخبارات الوطنية التركية فجر نقاشات جديدة حول الغاية من مشروع القانون وأهدافه، تحت عنوان «هل الهدف هو تحقيق خطوة حقيقية باتجاه دولة القانون؟ أم أنه حلقة أخرى من المواجهة بين حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولن على طريق بناء دولة الاستخبارات، كما قالت أصوات كثيرة في صفوف المعارضة التركية.
مشروع القانون الذي أقر بأصوات نواب العدالة والتنمية واعتراض المعارضة، وبعد تدخل مباشر من قبل رئيس الجمهورية عبدالله غول الذي طالب بتغيير بعض المواد والبنود المقترحة في التعديل حتى يصادق عليه، يبدو أنه سينجح بتجاوز حاجز «شنقايا» الرئاسي، لكنه ومنذ الآن معرض لتلقي ضربة من قبل المحكمة الدستورية التي خيبت آمال رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان في الأسبوع الماضي أكثر من مرة بسبب موقفها من قضية حظر «تويتر»، ودعوتها لإدخال تعديلات أساسية على قانون مجلس القضاة والمدعين العموميين الذي وافق عليه البرلمان ووقع عليه رئيس الجمهورية، لكنها رأت في الكثير من مواده خروجا عن الدستور وتجاوزا للصلاحيات.
تبرير أتالاي
الوزير بشير أتالاي أقرب أعوان إردوغان يقول إن قانون تنظيم عمل جهاز المخابرات التركية أقر عام 1983 في عهد القوة الانقلابية، وهو منذ ذلك الوقت لم يشهد تغييرات وتعديلات حقيقية تتناسب مع وضعه ومهامه واستقلاليتها، وإن التطورات والأزمات الكثيرة التي تعرضت لها تركيا في الداخل والخارج فرضت إجراء هذه المراجعة في قانون الجهاز وطريقة عمله وصلاحياته.
لكن قيادات المعارضة التي انتقدت من على منصة البرلمان هذا التفرد والسرعة في عمل الحكومة لإخراج هذه التعديلات تصر على أن ما يجري خطوة أخرى لحكومة إردوغان باتجاه السيطرة على مرافق ومؤسسات الدولة والتحكم بها، متذرعة بالحرب التي تخوضها مع ما تسميه الكيان الموازي أو الدولة داخل الدولة، والمعني هنا هو جماعة غولن وتحديها لقرارات وسلوك قيادات العدالة والتنمية وتدابيرها في أكثر من مجال.
الكاتب والإعلامي في جريدة «راديكال» الليبرالية مراد يتكين يرى أن المواجهة بين إردوغان وغولن بدأت أساسا قبل عامين عندما استدعى المدعي العام لمدينة أنقرة رئيس الجهاز هاقان فيدان للاستماع إليه في تهم الحوار المباشر مع حزب العمال الكردستاني الموصوف بالحزب الإرهابي المحظور، وأن هذه الحادثة التي تحولت إلى القشة التي قصمت ظهر العلاقات بعد توتر ملحوظ بعيدا عن الأضواء هي التي دفعت حكومة العدالة لإطلاق هذه التعديلات.
لكن الأكاديمي حسين يايمان يصر على أن بنية الجهاز وطريقة عمله وصلاحياته ودوره كانت قضايا تؤكد حاجة الجهاز لتعديلات من هذا النوع تفتح الطريق.
تعديلات جذرية
أما أهم مواد التعديل التي أقرها البرلمان والتي ستطلق يد الجهاز في الداخل والخارج فيتقدمها تعزيز ارتباطه برئاسة الوزراء مباشرة والقيام بمهامه بالتنسيق مع رئيس الوزراء خصوصا في مسائل الأمن الخارجي، ومكافحة الإرهاب، والقضايا المتعلقة بالأمن القومي.
كما يمنح التعديل الاستخبارات الوطنية، إمكانية إجراء اتصالات مع المنظمات المحلية والخارجية التي ترى فيها فائدة لمصلحة البلاد، وهو رد مباشر على محاولة اتهام رئيس الجهاز بالخيانة بسبب المحادثات التي تجري مع عبدالله أوجلان مؤسس حزب العمال على طريق حل المسألة الكردية في تركيا.
كما أن التعديل، ينص على أن أي عملية تحقيق تجرى مع رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية ستخضع لأحكام المادة الخاصة بقانون أصول محاكمة العسكريين والمحاكم العسكرية، والشخصيات العسكرية التي تحاكم أمام مجلس الدولة الأعلى، وبذلك يتم تجنيبه المثول أمام محاكم الجزاء بل المحاكمة المباشرة من قبل مجلس القضاء الأعلى في تركيا.
وأقر التعديل أيضا زيادة العقوبة ضد وسائل الإعلام التي تنشر وثائق تعود للجهاز بطريقة غير قانونية وتحميل المسؤولية للأشخاص والمؤسسة الإعلامية معا.
كما أنه سيلزم النيابة العامة في حال ورود بلاغات أو شكاوى حول عمل وأنشطة جهاز أو عناصر الاستخبارات، التنسيق مباشرة مع الجهاز للتأكد من المعلومات قبل نشرها.
ويشمل التعديل الجديد منح مجلس النواب التركي الرقابة على التعيينات ونشاطات الجهاز ويدخل ضمن مواد القانون أيضا نقاط تحول دون تسريب المعلومات أو الوثائق من الجهاز، وتخويل مسؤولي الجهاز استخدام آلة كشف الكذب عند الضرورة لتحديد كفاءة موظفيه.
رأي المعارضة
سزغين تانريكولو نائب بحزب الشعب الجمهوري يرى أن هذا القانون يمنح المخابرات سلطات ليست من حقها في دولة قانون، لكن السؤال يبقى ليس حول معرفة إذا ما كانت أحزاب المعارضة ستعترض على التعديلات أمام المحكمة الدستورية فهذه نقطة شبه محسومة كون أحزاب المعارضة ستعترض على التعديلات، بل هو معرفة تقويم هذه المحكمة العليا لإجراءات من هذا النوع، خصوصا وأن قيادات العدالة والتنمية تصر على وصفها بالضرورية، وبأنها ستحمل تركيا لمستوى تنظيمات الكثير من الدول الغربية التي وزعت المهام بين أجهزة استخباراتها وأطلقت يدها في حماية الأمن الداخلي والخارجي للدولة.
هل سترى محكمة يقودها هاشم كيليش، الذي أغضب إردوغان أكثر من مرة والذي ورد اسمه بين المرشحين لرئاسة الجمهورية، أن التعديلات هي على حساب قوة لصالح قوة أخرى في البلاد أم ستقف هذه المرة إلى جانب إردوغان في إطلاق تعديلات يقول إن تركيا تحتاجها لأكثر من سبب؟

