ربما دار في ذهنك يوما ما أنك الوحيد المهضوم المظلوم في العالم المحيط بك، وأنك قد ابتليت دون بقية الناس بالظلم والأذى، وأن الدنيا قد أظلمت في وجهك وابتسمت للآخرين بل وفتحت لهم أبواب السعادة واستغلقت في وجهك، بل ربما احترقت أعصابك شيئا فشيئا من حرارة الإساءات التي طالتك من القريبين ومن البعيدين أيضا، ولعلك قد أخذت زمنا طويلا وأنت تقلب فكرك فيها فكان ذلك الهم والألم سببا لما أنت فيه من ضيق وكدر وتأخر في النجاح والعمل.
هذه الحالة التي تقدمت قل أن يسلم منها إنسان في وقتنا الحاضر وإن اختلف الناس في درجة ذلك، فالغالب أن من يخالط الناس ويصاحبهم لقرابة أو عمل أو جيرة أو نحوها سيلحق به قدر من الظلم ولا بد، وسيتعرض لمواقف وأحوال يرى فيها جوانب مظلمة من شخصيات هؤلاء الناس، وقد تمتد مساحة الظلام هذه من الإساءات اليسيرة المغلفة أحيانا إلى الظلم البين الصريح وأكل الحقوق وإهدار الكرامة، وستكون الحالة النفسية تجاه هذا الظلم أيا كانت درجته بحسب استجابة هذا المتضرر الداخلية لمشاعر المظلومية السوداء، فمن الناس من يتملكه بسبب ذلك الحزن والاحتقان الشديد فلا يرى نورا ولا سببا لأي سعادة أو أمل وتظلم أمامه الآفاق لأنه في واقع الأمر قد صنع إطارا من هذه المظلمة وأدخل نفسه في داخله، فلا ترى منه إلا اليأس ولا تسمع منه إلا الشكوى ولا هم له إلا محاولة الانتقام ممن ظلمه أو من الناس والمجتمع أو حتى من نفسه.
ومن الناس من يرى كل ذلك من طبيعة الدنيا ومن قصور البشر، بل هي من أسباب حصول الأجر في الآخرة، وقد تكون هذه الإساءات والابتلاءات سببا يدفعه إلى التحدي والإبداع، فتراه مع ألمه منفتحا على الحياة ومقبلا على التغيير ومستعدا للفصل بين صعوبات الدنيا وأكدارها وبين نوافذ الأمل والإشراق المشرعة، فلديه قدرة ذاتية على تحييد المشكلات وآلامها فلا تسيطر عليه ولا تقضي على عزيمته، وتمتد شرائح الناس وتتنوع بين هذه النماذج في استجابتها النفسية والعملية لحالة الظلم والإساءة، وبحسب حالة كل واحد من هؤلاء وموقعه قي معيار الاستجابة والتأثر تكون قدرته الحقيقية على مواجهة مشاق الحياة ومنغصاتها، فقد ترى من ينتهي إلى الانطواء والانزواء وربما الاكتئاب بسبب مظالم يسيرة عارضه لا تحتملها نفسه الضعيفة المرهفة، وقد ترى في الوقت نفسه من هو في ظلمات السجن أو ينتظر القتل ظلما وعدوانا بغير حق ولكنك تراه راضيا بما جرى له، ولديه أمل في فرج ومخرج مع ثباته واستقرار نفسه.. وللحديث بقية.
لست الوحيد
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
