منذ بدأ اهتمامي بالشأن العام قبل أربعة عقود تقريبا، والخلافات العربية - العربية، سر من أسرار الكون العربي لا يعرفه إلا أقرب المقربين من دائرة أصحاب القرار، وهؤلاء لا يبوحون بهذا السر العظيم إلا بعد أن يغادروا مناصبهم وفي دوائر ضيقة أيضاً، خاصة في المملكة، أما نحن جمهور المتابعين والراصدين والمهتمين فلا نعرف ذلك إلا من وسائل الإعلام الأجنبية، التي تجتهد في استراق السمع، أو تحظى بثقة لا نحظى بها نحن، وهذه الوسائل الأجنبية تقدم اجتهاداتها في أشكال متعددة، بعضها مدعوم بمعلومات موثقة، وبعضها تحليل واستقراء وحدس، وحتى مع هذا المتوفر لم تكن تجرؤ وسائل الإعلام العربية على النشر، وأتذكر حجم المفاجأة والذهول الذي أصابنا عندما احتل صدام الكويت، حيث لم يكن أحد يعرف حجم الخلافات العميقة الذي أفضى إلى هذه المغامرة الكبرى، والتي كانت بوادرها واضحة من جلسات مؤتمر قمة بغداد الذي علمنا عن أسراره فيما بعد.
هذا التكتم الشديد وضع وما زال يضع المحللين العرب والمعلقين في حيص بيص، فتجد كلا منهم إما أن ينحاز لموقف بلده دون معلومات فيصبح شتاما باحثا عن مثالب الطرف الآخر التي لا علاقة لها بالموضوع، أو يبدو باهتا كلامه كالماء لا لون ولا طعم ولا رائحة، وفي الوقت الراهن ومع توفر وسائل التواصل، أصبح عدد كبير من الشعوب العربية يشاركون في هذه الحفلات المتسمة إما بالشتم والردح أو الحيادية الباهتة.
ومن شاء أن يتأكد فليتابع ردود الفعل الإعلامية والتويترية على البيان الغامض لوزراء خارجية مجلس التعاون الصادر من الرياض منذ أيام، فلا أحد يعرف بنود وثيقة الرياض، ولا أحد اطلع على إطار أو صيغة العمل الجماعي المنتظر، ومع هذا لم تفتر حلوق ولا أقلام المعلقين في الصحف والتلفزيون، وهم يصفون الماء حولهم وهم جلوس، قوم جلوس حولهم ماء، أما المتوترون فالتصفيات مستمرة حتى إشعار آخر.
أعرف من خلال الرصد والمتابعة والتحليل والاستقراء، ألف سبب وسببا لما حدث بين المملكة وقطر، قبل أن تصبح الإمارات والبحرين في ذات السياق، وكنت أول من كتب عن ذلك في مقالات وتقارير رصد دقيقة نشرتها عندما كنت رئيساً لتحرير صحيفة الشرق منذ أكثر من عام، لكن حتى بعد أن انفجر الدمل مؤخراً وتم سحب السفراء بقينا في ذات الدائرة من الغموض، سوى من جمل سياسية عامة، أما الأسباب الحقيقية فما زالت طي الكتمان، وهذه الحال في زمن ثورة الفضاء والاتصالات لم تعد مجدية، فهي الحقل الخصب للشائعات التي تضر وتؤلب وتخدع وتؤذي الشعوب والأوطان.
الغموض يولد الشك في أسباب الخلاف ودواعي الاتفاق ولا يبعث على الاطمئنان، وانحيازي لوطني واجب، ولكن من واجب وطني أن يزودني بالسلاح الذي يجعل انحيازي منطقيا وجيها أمام العالم الذي نعيش معه في غرفة واحدة اسمها الكرة الأرضية. المعلومات الدقيقة الموثقة هي أقوى طلقة يطلقها أي عاشق لوطنه بواسطة أقوى وأخطر سلاح على الإطلاق اسمه الإعلام.
غموض البيان (الخليجي) والشائعات: أقوى طلقة لأخطر سلاح
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
