هو نورُ الحيِّ، ومصدر بهجته ورحمته، هو البيت الذي يجتمع فيه أهل الحي خمس مراتٍ في اليوم والليلة، ليس لأحدهم هذا البيت، إنما هو بيت الله الرحمن الرحيم! هنا يجب أن يكون الحب والتواصل والرحمة، ويجب أن يكون المسجد للجميع، حتى لذلك الصبي مع أمه، وحين يصرخ الصبي ويبكي، ينبغي أن يحرك هذا الصراخ رحمةَ الإمام في قلبه؛ فيخفف في صلاته من أجل الصبي وأمه، ولا ينبغي أن يحرك هذا الصراخُ قسوةَ الإمام في قلبه؛ ليوبخها ويقرعها بعد الصلاة، وإذا شاء هذا الصبي أن يرتحل الإمام، فينبغي أن يتريث في الصلاة؛ من أجل هذا الصبي، دون تعنيف وتوبيخ.
المسجد لنا جميعاً: لرجالنا، ونسائنا، وأطفالنا، ومن هنا تبدأ حكاية الحب والتعلق بهذا المكان: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ». والإمام الموفق من عمّر بيت الله بما يحبه الله من تواصلٍ ومرحمة، وحب وشفقة. تعظيم المساجد في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يمنع من صراخ الأطفال، ولا لعبهم، ولم يمنع من نوم الكبار، ولا لعب الحبشة، ولا إلقاء الشعر. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن عمر -رضي الله عنه- مرّ بـحسان ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أُنشِدُ فيه، وفيه من هو خير منك. (متفق عليه). وكان عمر وقافاً عند كتاب الله.
المسجد في كل حيٍّ فرصة عظيمة لإقامة الدين، حين نتعامل معه كما تعامل رسول الله، وليس كما يفهم البعض الدين. إمام المسجد: هو داعية إلى الله في ذلك المسجد، وينبغي أن يغرف لسانه من رحمة قلبه وحبه، وأن يصبر على جماعة المسجد، فخير الجماعات في خير المساجد بعد المسجد الحرام، تركوا خير الأئمة يخطب على منبره، وذهبوا للّهو والتجارة، ثم انظر لهذا الرفق والرقي في خطابهم: «قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» (الجمعة :11).
الدعوة إلى الله حبٌّ وعطاء. قبل الدعوة هناك تجربة إيمانية، يذوق الداعية حلاوتها وهدايتها، ثم يحب لغيره أن يشاركه هذه الهداية، فيظل يدعوهم؛ رحمةً بهم، وحباً في هدايتهم.
لقد كان الداعية إلى الله في سورة (يس) مثالاً عجيباً في هذا الحب، ظل يدعو قومه إلى الله، واتّباع المرسلين، منذ أن جاء من أقصى المدينة يسعى، وحتى مات مقتولاً مظلوماً، وظل يحب لقومه الهداية، منذ أن كان حياً بين ظهرانيهم، وحتى قيل له ادخل الجنة: «قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ» (يس : 26).
ما أعجب هذا القلب الذي لا يجد الحقدُ إليه سبيلاً!
آذوه، وحاربوه، وقتلوه ظلماً وعدواناً، وظل قلبه مشغولاً عن الأحقاد بتمني الهداية لهم.
أخطر شيء على الداعية أن يسمح للأحقاد أن تستوطن قلبه. الدعوة حب، والحب لا يجاور الأحقاد ولا يساكنها.
ومن عجبٍ أن يستدل الداعية على قسوته بدعاء نوحٍ على قومه، ونسي ما كان قبل هذا الدعاء من قرون متطاولة، يدعوهم ليلاً ونهاراً، وسرا وجهاراً. من تأسى بنوح -عليه السلام- في طول دعوته (لهم) من قبل، يصح له أن يقتدي به في دعوته (عليهم) من بعد. نبي الله نوح لم يبدأ بالدعاء على قومه، بل بالدعاء لهم، ولم يدع عليهم إلا بعد حياة مديدة من الدعوة والرحمة، وظلت بقيةٌ من هذه الرحمة حتى جاء الطوفان، وابنه كافر مُعرِض، وهو يقول له: «يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا» (هود: 42)، وبعد هلاكه وغرقه، ظلت رحمته في قلبه، ودعا ربه حتى نُهي، واستجاب -صلى الله عليه وعلى نبينا محمد-.
مسجد الحيّ
عبدالله القرشي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
