منح تخريج 30 عالما وأديبا في مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة لقب مدرسة «العلماء والأدباء»، وقد مثل الخريجون، كما تكشف وثائق المدرسة التي عرض لها الراحل محمد الخطراوي، الرعيل الأول من طلاب تلك المدرسة التي أسسها السيد أحمد الفيض آبادي في 1340.

قادة العلم والأدب

تشير سجلات المدرسة القديمة منذ مرحلة التأسيس عن تقديمها جيلا من العلماء والأدباء شكلوا جزءا كبيرا من ذاكرتنا العلمية والثقافية، يتقدمهم رئيس رابطة العالم الإسلامي الأسبق محمد علي الحركان، وكذلك مؤرخ المدينة وأديبها عبدالقدوس الأنصاري.
أديب المدينة الخطراوي، أشار في سلسلة دراساته حول المدينة المنورة لتلك الثلة من العلماء والمفكرين والأدباء في كتابه المعنون بـ»مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، والموقع التاريخي الرائد» ومن يقم بمراجعة أسماء المتخرجين الأوائل في المدرسة يوقن أنها أسهمت في تخريج أجيال كثيرة من أبناء هذه البلاد، بينهم الوزراء والقضاة والسفراء والكتاب والشعراء والصحفيون ورجال الأعمال البارزون، الذين انتشروا في أرجاء المملكة وكان لهم أثر أينما حلوا وارتحلوا.
ومن بين خريجيها من العلماء والأدباء الذين ترجم لهم الخطراوي الشيخ محمد الحافظ الذي يعد من أبرز قضاة المحكمة الشرعية الكبرى بالمدينة المنورة.

الأدباء والشعراء أبرز الخريجين

وبدا لافتا أن الأدباء والشعراء شكلوا الملمح الأكبر لخريجي هذه المدرسة كما تكشف وثائق المدرسة، يأتي في مقدمتهم عضو أسرة الوادي المبارك، رئيس نادي المدينة الأدبي الأسبق، مدير تعليم المدينة المنورة في تلك الحقبة عبدالعزيز الربيع.
كما يبرز عدد من الشعراء من الخريجين، بينهم الشاعر حمزة محمد قاسم ومن بين طلابها أيضا اسم شعري لافت جايل تجربة الربيع، وهو رئيس نادي المدينة الأدبي الأسبق، الشاعر محمد هاشم رشيد.
ويعد رئيس نادي جدة الأدبي الثقافي الأسبق، الأديب الصحفي عبدالفتاح أبو مدين واحدا من أبرز خريجي تلك المدرسة، ومن بين خريجي المدرسة من جمع بين الثقافة والعمل الرسمي كما حدث مع «الوزير الكاتب» وهو اللقب الذي حمله الأستاذ محمد عمر توفيق.

جدية وانضباط

يرى الكاتب والقاص حسين علي حسين، أحد خريجي المدرسة في 1383، أن تميز العلوم الشرعية جاء من شخصية السيد حبيب محمود إضافة إلى شخصية مؤسسها الأول، مشيرا إلى أن السيد حبيب محمود كان يجلس يوميا على كرسي عند باب المدرسة، مرتديا ثوبا أبيض وغترة بيضاء وعباءة، وكأنه يحصي أعدادنا نحن التلاميذ وحالما يطمئن على دخولنا، يتوجه إلى سيارته، كان رجلا قادرا وناجحا وكانت كلمته مسموعة.
ويربط حسين بين تميز خريجي المدرسة في مجالي العلم والأدب، وبين الجدية والانضباط التي كانت المدرسة مضرب مثل بهما، لدرجة أنها كانت ترسل فراشا، يطرق الأبواب من العصر وحتى الغروب، ليسأل الغائبين عن سبب تغيبهم، وكان معه دفتر يدون فيه أسباب الغياب.
وفي حديثه إلى «مكة» أكد الناظر، المشرف العام على مدارس العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، الدكتور أحمد حبيب، الذي سبق أن صدر له كتاب وثق فيه لتاريخ المدرسة، وكذلك مسيرة والده حبيب محمود، أنه ضمن خطط المدرسة إقامة يوبيل واحتفالية كبرى يستدعى فيها عدد من الشخصيات والمسؤولين، ويكرم من خلالها عدد من الشخصيات التي برزت في تاريخ هذه المدرسة، إضافة إلى تكريم طلابها الموجودين.

فكرة إنشاء المدرسة

وكانت فكرة إنشاء المدرسة بالمدينة المنورة، كما نشر على موقع المدرسة على الانترنت، تراود السيد أحمد الفيض آبادي، الذي ينتمي لأسرة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، منذ قدومه إلى المدينة المنورة مع والده في 1316، في عهد الدولة العثمانية، وعندئذ عن له أن يعرض الفكرة على أحد معارفه الأثرياء في الهند، موضحا له أهمية المدرسة وحاجة أهل المدينة لها، فأرسل إليه مبلغ أربعين جنيها مكنه من البدء في تأسيسها في محرم 1340، ثم جاء بعض المعارف من الهند، فأعانوا المدرسة.
وفي منتصف 1343، تعرضت المدرسة إلى العديد من الإشاعات أدت إلى إغلاقها وتسريح طلابها وموظفيها لفترة من الزمن مما دفعهم إلى إكمال مهمتهم التعليمية في المسجد النبوي.
وكانت الظروف آنذاك مواتية لقبول مثل تلك الإشاعات، وتموج بالاضطرابات والتفكك والعداوات، وحين اقتنع المسؤولون بالتوجه العلمي الخالص للمدرسة ومدرسيها، سمحوا لهم بالعودة بطلابهم إلى مقر المدرسة، ولكن العيون ظلت مسلطة عليها، والرقابة محكمة من حولها.

العودة الرسمية

ولما أحس مؤسسها بتعاظم وطأة الرقابة، خشي على مؤسسته الفتية، مما يحاك حولها من مكائد ومؤامرات، فأسرع إلى تقديم طلب رسمي في 16/9/1343 طالبا منحه ترخيصا بإنشاء مدرسة، وبعد مضي شهر صدرت الموافقة برقيا إلى إمارة المدينة المنورة برقم 609 .
وبمرور الأيام زاد الإقبال على المدرسة بعد أن لمس المواطنون في المدينة بأنفسهم المستوى التعليمي الذي كانت تتميز به، فيما تعرض مؤسسها لنوبات مرضية، حتى توفاه الله عن 65 عاما وكان ذلك في العاشر من شوال 1358.