استبعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حواره المباشر مع المواطنين الروس، مؤخرا أن تقوم السعودية بخفض أسعار النفط بشكل حاد مما يلحق الضرر بروسيا.
وأضاف “خفض أسعار النفط يمكن أن يضر بمشروعات النفط الصخري الأمريكية ويقلص الطلب على الدولار”.. كلام بوتين ليس في الاقتصاد، كما يبدو للوهلة الأولى، إنما يصب في صميم التحولات السياسية – الاقتصادية في العالم (وفي القلب منها الطاقة).
لم تتحول سياسة الولايات المتحدة من “الشرق الأوسط” الخطأ إلى “الشرق الأقصى” الصحيح، حيث توجد الصين والهند واليابان، بدءا من عام 2008 والذي تزامن مع نجاح الرئيس باراك أوباما، إلا بعد أن أطمأنت إلى احتياجاتها من الطاقة (الغاز الصخري والنفط ) على المدي الطويل، حيث حدثت طفرة في النفط الخام في الولايات المتحدة بين عامي 2008 و2013 وارتفع إنتاج النفط المحلي بمقدار 2.5 مليون برميل يوميا، وهي أكبر زيادة منذ خمس سنوات في تاريخ البلاد.
ويكفي أن نعرف أنه في العام الماضي 2013، أنتجت الولايات المتحدة أكثر مما تستورد من النفط للمرة الأولى منذ عام 1995.
صحيح أن السعودية تملك أكثر من 25 % من إجمالي احتياط النفط في العالم، لكنه لم يعد “ورقة ضغط” تصلح للاستخدام اليوم، سواء ضد أو مع الولايات المتحدة.
عام 1973 ليس هو عام 2014، كما أن عام 1984 ليس هو عام 2014 بالقطع .
يشار إلى مفارقة تاريخية حين طلب الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان من السعودية خفض سعر النفط للتأثير على الاتحاد السوفيتي السابق، بينما لم يجرؤ الرئيس الأمريكي أوباما على هذا الطلب في زيارته الأخيرة للسعودية للضغط على روسيا ـ بوتين.
وهو أمر لا علاقة له بالسياسة بشكل مباشر بقدر ما له علاقة بالاقتصاد، وحسب الصحفي الأمريكي المخضرم، توماس فريدمان، في كتابه المهم‮ “العالم مستو‮.. ‬موجز تاريخ القرن الحادي والعشرين‮‬”، “ربما كانت بنية رأس المال العضوية الراهنة،‮ ‬أو بالأحرى عملية الإنتاج العالمية،‮ ‬ورأس المال أحد مكوناتها،‮ ‬من التداخل والتشابك والتعقيد إلى درجة قد تمنع قيام الحروب‮ ‬التي عرفناها،‮ ‬مستقبلا‮، أو الضغوط الاقتصادية بين الدول، لأن العصر غير العصر، والضرر الاقتصادي قد يصيب جميع أعضاء الجسد للأسرة الدولية”.
‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬الطريف هو أن السعودية كانت حاضرة في حوار مراسل مجلة “دير شبيجل” الألمانية جريجور بيتر شميتز مع الملياردير جورج سوروس، الذي نشرت أجزاء منه في “بابليك أفيرز” و”نيويورك رفيو أوف بوكس”.
يقول سوروس “الأثر الإيجابي الحميد لدعم السعودية للجيش المصري سينعكس على التسوية السلمية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، مع إقصاء حماس (ذراع الإخوان المسلمين في فلسطين)، وهذا وضع ما كان لأحد يمكن أن يتخيله قبل شهور”.
لكن أهم ما قاله سوروس في هذا الحوار، وهو جزء من كتاب للمحاور شميتز عن جورج سوروس وعنوانه “مأساة الاتحاد الأوروبي: تفكك أم بعث جديد؟”، لو حلت جميع أزمات المنطقة، سوف ينشأ نظام جديد في الشرق الأوسط، رغم أن الطريق طويل وشاق، لأن الصراعات متداخلة وهي مثل الأواني المستطرقة، على سبيل المثال يعارض نتنياهو بشدة أي اتفاق مع إيران، لأن السلام مع الفلسطينيين سوف ينهي مسيرته السياسية.
ومع ذلك يمكن رسم الملامح العامة لنظام شرق أوسطي جديد ومحتمل، روسيا سوف تزداد نفوذا، العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة سوف تضعف، وقد تخرج إيران، وهي حليف أمريكا الأقرب، تالية لإسرائيل، ولكن هذا السيناريو يظل قابلا للتغيير من يوم إلى آخر”.