لكل بيئة بشرية تراثها الثقافي وإرثها الاجتماعي المميز لها، ولا يستطيع إنسان الانسلاخ بسهولة من ثقافة مجتمعه رغم الثورات المعرفية الحديثة الهائلة والانفتاح الكبير على ثقافات العالم المتنوعة، وبقيت بعض العادات راسخة رسوخ الجبال في واقعنا الاجتماعي وفي تعاملات الناس الطبيعية وفي لغة التواصل بينهم، والعادة تعني تكرير فعل الشَّيء الواحد مراراً وزمنًا طويلاً في أوقات متقاربة؛ ولهذا قيل: العادة طبع ثانٍ؛ وذلك لأنها تشبه الطَّبع الأول - وهو الخُلُق الطبيعي - في شدة ثباتها ورسوخها في النفس. والإنسان عبارةٌ عن مجموعة من العادات، تكيّف سلوكه تجاه الحوادث والوقائع، وتساعده على مواجهة متطلَّبات الحياة، وسد حاجاته وتعزيز فطرته، وهو ما يدل على الدور الهام الذي تلعبه العادة في حياة الإنسان، فحين ينشأ الإنسان على العادات الحسنة يدل ذلك على تكيّفه وصحته النفسية، ويؤهله ذلك للحصول على مكانة اجتماعية راقية في المجتمع، تُشعره باحترام ذاته داخل الهيئة الاجتماعية التي ينتسب إليها؛ ومن هنا تظهر أهمية تربية العادات الحسنة والقيم الإيجابية لدى النَّاشئة في مرحلتي الطفولة والصبا؛ ليكون ذلك عونًا لهم في مسيرة حياتهم.
التأقلم مع عادات المجتمع والتكيّف معها من الصفات الحميدة للإنسان الذي يحسن التواصل الاجتماعي السليم ويسعى لبناء جسور متينة مع الجميع، وهذا ما يسمى بـ(الذكاء الاجتماعي Social intelligence)، حيث يصف القدرة البشرية الحصرية على التنقل والتفاوض في العلاقات الاجتماعية المعقدة، والبيئات المختلفة بفعالية، ويؤكد العلم أن فرضية الذكاء الاجتماعي هو التنشئة الاجتماعية المعقدة في السياسة والروايات والعلاقات العائلية والنزاعات والتعاون والتبادل والإيثار، وبالمختصر الذكاء الاجتماعي هو القوة التي تقودنا لنمو حجم الدماغ البشري، مما جعل لدينا اليوم القدرة على استخدام هذه العقول في ظروف اجتماعية معقدة، فهي الحاجة إلى التعايش مع بعضنا وذلك قاد حاجتنا إلى الذكاء، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالمعرفة والذكاء العاطفي، ويمكن أن يكون كمرحلة أولى في تطوير أنظمة الذكاء المتعددة، وكونك ذكيا فقط غير كاف، فعلى سبيل المثال الأطفال المصابون بالتوحد في بعض الأحيان يكونون في غاية الذكاء، فهم يجيدون إعطاء الملاحظات وتذكرها وعلى الرغم من ذلك فهناك ثمة من يقول بأن الذكاء الاجتماعي لديهم منخفض.
يقول تشارلز داروين: ليس أقوى أفراد النوع هو الذي يبقى، ولا أكثرهم ذكاء، بل أقدرهم على التأقلم مع التغيرات. ويقول الفيلسوف والكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون: آثار الذكاء تعيش أكثر من آثار القوة.