الفشل السياسي هو الذي يهدد الاستقرار العالمي دائما”..هذه العبارة هي خلاصة الكتاب الجديد “كيف تحول الأعداء إلى أصدقاء” للبروفيسور تشارلز كوبشان أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، والعضو البارز في مجلس العلاقات الخارجية (والأمن القومي) في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وصاحب الكتاب الشهير “نهاية الحقبة الأمريكية”.

الصداع الجيوسياسي

قدر العالم أن يعاني من دورات متتالية لا نهاية لها من الصراعات والحروب، لكن هل يمكن للدول المتصارعة والمتنافسة أن تتشارك في المصالح وتقيم السلام الدائم والمستقر؟ هذا الكتاب محاولة جادة جريئة ومبتكرة، لكيفية تجنب الصداع الجيوسياسي واستبدال الصداقة بالعداء، من خلال رصد وتحليل عقلاني مقنع والأمثلة التاريخية الغنية والمثيرة التي تمتد حول العالم، منذ القرن الـ 13 وحتى العصر الراهن.
والأهم من ذلك أنه يكشف الكيفية التي تتم بها تحويل الخصومة التاريخية إلى صداقة تاريخية أيضا في ذات الوقت الذي يفضح فيه الخرافات المثالية حول قضية السلام الدائم بين الدول.
ويركز كوبشان على الدبلوماسية السياسية في التعامل مع الصراعات الدولية المختلفة، بعدّها الوسيلة الناجعة حتى الآن في تقريب وجهات نظر الخصوم وليس التعاون الاقتصادي، كما هو شائع ومعروف، ذلك أن تعزيز الثقة في المجتمع الدولي والعلاقات الاستراتيجية أهم بكثير من الاعتماد على العامل الاقتصادي كما كان يعتقد في السابق.
ويقول كوبشان “ينبغي على الدول القومية بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، التعامل بعضها مع بعض على أساس السياسة الخارجية بدلا من التركيز على طبيعة الحكم الداخلي في هذه الدولة أو تلك، وهل هي دولة ديمقراطية أم لا؟إن التماثل الثقافي والعرقي والديني يمكن أن يساعد الدولة على تحقيق الاستقرار والسلام الاجتماعي، لكنه ليس دائما كذلك.
والشيء نفسه على مستوى الدول القومية الحديثة، حيث إن التماثل والتشابه بين الدول ذات النظام الديمقراطي لا يحقق السلام دائما.
فقد ظهرت “الصداقة” بين الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى في أوائل القرن العشرين وليس قبله، كما تخللت العلاقة بين الدولتين فترات من العداء، ناهيك بأن أوروبا التي حافظت على السلام منذ 1815 لم تستمر طويلا في حالة الصداقة، حيث انهارت بفعل الثورات بدءا من 1848.
والشيء نفسه ينسحب على العلاقة بين الاتحاد السوفييتي والصين، حيث الشراكة الوثيقة في 1950 تحولت إلى منافسة مفتوحة 1960 وهكذا..

النقط الحرجة

وتحديد النقطة الحرجة التي تنهار عندها الصداقة أو التي يبدأ منها السلام، هي أهم إنجاز في هذا الكتاب، وهي تتمثل في كلمة واحدة “الدبلوماسية”، وهي ليست كلمة عادية إنما هي أشبه بالكائن الحي الذي لديه قرون استشعار وآذان وعيون تلتقط الأزمات قبل وقوعها، ومن ثم تحاصرها في مهدها.

سلاح الوقاية

فالوقاية غالبا أفضل من العلاج، وحين تستشعر الدبلوماسية خطورة الأزمات والمشكلات تسعى بكل السبل للبقاء على العلاقات بين الدول على قيد الحياة.
والمؤلف هنا لا يتحدث من النظريات السياسية فحسب، إنما في ضوء خبرته العملية كدبلوماسي وخبير استراتيجي مارس ما يقوله وقال ما يفعله.
وربما كانت مشكلة أوروبا “القارة العجوز” والمشاكل التي تحيط بها من كل جانب، بداية من العملة الموحدة (اليورو) وحتى الأزمات الاقتصادية المتتالية وانتهاء بأزمة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، هي السبب الرئيس في انتعاش سوق هذا الكتاب بحثا عن حلول ناجزة لما يجري اليوم.
وحسب المؤلف فقد شهدت أوروبا أكثر من 250 حربا منذ بداية عصر النهضة في منتصف القرن الـ 15، ومع ذلك استطاعت بعد هذا التاريخ الطويل من الصراع تكوين صداقات آمنة ومسالمة.

أمثلة تاريخية

أما أهم الأمثلة التاريخية التي يوردها “ كوبشان “ وتترجم هذه الصداقة في شراكة سياسية، هي: تشكيل الاتحاد السويسري (1291-1848)؛ وإنشاء اتحاد الإيروكوا في القرن السابق لوصول الأوروبيين إلى أميركا؛ وتأسيس الولايات المتحدة (1776-1789)؛ وتوحيد إيطاليا (1861)، وألمانيا (1871)؛ والتقارب النرويجي السويدي (1905-1935)، واتحاد الإمارات السبعة في دولة عربية واحدة هي دولة الإمارات العربية المتحدة (1971)؛ والتقارب الأرجنتيني البرازيلي في سبعينات القرن العشرين.
وفيما يتعلق بالصدامات والحروب التي ظهرت في التاريخ نتيجة لفشل الدبلوماسية السياسية، يذكر المؤلف: الحرب الأهلية في الولايات المتحدة (1861-1865)؛ ونهاية التحالف الأنجلو - ياباني (1923)؛ وانهيار العلاقات الصينية - السوفييتية (1960)؛ وفشل الوحدة العربية في الجمهورية العربية المتحدة “مصر وسوريا” (1961)؛ وانفصال سنغافورة عن ماليزيا (1965).


الاقتصاد بعد الوحدة السياسية

إن نظرية البروفيسور تشارلز كوبشان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، عن تحويل «الأعداء إلى أصدقاء » يمكن أن تفيدنا في
الوضع العربي الحالي في أمر مهم، وهو إن التكامل الاقتصادي يأتي بعد تحقيق «الوحدة السياسية » عادة وليس قبل ذلك.
وهو بدلاً من ذلك ينظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها العنصر الأساسي في تعزيز التكيف الاستراتيجي والثقة المتبادلة، وهذا أسهل إنجازاً إذا كانت الدول تتمتع بنظم اجتماعية مشابهة وعرقيات متماثلة. ويوحي تحليل كوبشان بأن الدول، مهما اختلفت أنظمتها في الحكم، مثلها مثل الأعضاء في الأسرة الواحدة والعائلة الواحدة، وبالتالي فإن الصداقة هي الأصل والعداء هو الاستثناء، أو قل إن الخروج عن مفهوم العائلة الدولية هو دائما الاستثناء الذي يهدد الس الم والاستقرار، ولكنه حالة إنسانية مرضية تحتاج إلى علاج.. والأفضل التحصين ضدها.


الكتاب: how enemies become friends: The Sources of Stable Peace

كيف تحول الأعداء إلى أصدقاء: مصادر الاستقرار والسلام

المؤلف: charles kupchan - شارلز كوبشان

دار النشر: Princeton University Press - جامعة برينستون“