حَضَرتْ «حرية التعبير» في الأحداث المتوالية المتصلة بصحيفة «شارلي إيبدو» فما تنشره من رسوم ساخرة ومؤذية، ومنها رسومها عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، مبرَّر لديها والمدافعين عنها بـ«حرية التعبير»، ومن يتأذى من شعوب المسلمين من رسوم الصحيفة، وينتقد إساءتها، فهي شعوب – على حد تعبير الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند - «لا يمكنها أن تفهم حرية التعبير لأنها محرومة منها»، والواجب في نظر رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون «أن نقبل أن الصحف والمجلات يمكن أن تنشر أشياء مسيئة للبعض طالما أنها في إطار القانون»!
لكن ما يوصف هنا بأنه «حرية تعبير» يمكن بالقدر نفسه وصفه بالعنصرية والتحريض على الكراهية، كما يمكن حسابه في خانة العدوان والإساءة إلى الآخر وإيذائه دون سبب، خصوصا وأن الآخر المعني هنا أمة ينوف عددها على مليار ونصف نسمة!. وما يوصف هنا بأنه «حرية تعبير» لا يأخذ في فرنسا وغيرها من دول أوروبا شكل القاعدة العامة التي تنطبق على كل الرموز والعقائد، كما هو حال تهمة «الكراهية للسامية» التي حوكم بها كثيرون. وصحيفة شارلي إيبدو نفسها واجهت احتجاجات الفرنسيين لسخريتها بالرئيس الفرنسي الراحل ديجول، وواجهت إدانة للمزها ابن الرئيس الفرنسي ساركوزي بأن أصوله يهودية!
هل نقول – إذن - إن هناك حرية عدوان ملتبسة بحرية التعبير ومبرَّرة بها؟! كيف نفصل – ما دام الأمر كذلك - بين حرية التعبير والعدوان؟! الإجابة ببساطة: بالقانون؛ فالقانون هو الذي يصنع الحرية، ولا معنى للحرية من دونه؛ فالحرية لا تتحدد إلا بتحدُّد القيد الذي يمنعها، والمباح لا يُعرف إلا بمعرفة المحظور. وإذا كان الحديث عن القانون هو حديث عن الحرية، فإنه بالقدر نفسه حديث عن العدالة؛ ذلك أن الآخرين مكوِّن جوهري في دلالة الحرية؛ فهي تنتهي عند حرية الآخرين، وهذا مدعاة لتحقيق القانون والإنصاف، أي العدالة.
وجوب القبول بـ«الأشياء المسيئة للبعض طالما كانت في إطار القانون» كما يوصينا كاميرون، يثير التساؤل عما يعنيه بـ«القانون» وما يعنيه بـ«الأشياء المسيئة»؛ فالقانون الذي يسمح بالإيذاء والتعدي على عقائد ومقدسات الآخرين بما يسيء إليهم، ليس قانونا لأنه لا يحمي العدالة ولا يصنع الحرية. والأشياء المسيئة تحتاج إلى تحديد؛ فالحكم بالعقوبة على المجرم مثل السخرية بملابس الفقير، كلاهما مسيء لمن تقع عليه، لكن الأول في إطار القانون أي في إطار الحرية والعدالة، والثاني في إطار الظلم والإساءة. والقوانين الأوروبية، لا سيما الفرنسية، تتضمن المنع لما من شأنه أن يثير الحقد والكراهية، خصوصا ما يمس اليهود؛ فلماذا لم تدخل الإساءة إلى معتقد المسلمين في ذلك؟! ولقد ذكَّرني وصف هولاند للمجتمعات الإسلامية بالجهل بحرية التعبير، بالمثل الشعبي لدينا: «يأكل مع الذئب ويصيح مع الراعي»!
أما من لا يرى الإساءة إلى الرسول في الرسوم، وإنما إلى من يدَّعي الانتساب بجرائره وجرائمه إليه، وهم الإرهابيون والمتطرفون، فإن هذا التفسير يضاعف الإساءة لأنه ينسبهم إلى جوهر الإسلام وقاعدته، وهم شذوذ مهما كثروا!
حرية التعبير و"العدوان"!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
