كتبت سيدة في التاسعة والأربعين من عمرها رسالة للكاتبة ليزلي جارنر تشتكي فيها من الوحدة التي تعيشها، وطول وقت الفراغ الذي لديها، وقلة أصدقائها، رغم أنها متزوجة ولديها أبناء تزوج بعضهم والآخرون يدرسون في الخارج. تقول هذه السيدة:
«إنني أتحدث مع زوجي بصعوبة، هناك مسافة كبيرة بيننا.. كالمحيطات! وحينما يعود للبيت ويحكي لي قليلاً عن يومه، لا أجد ما أقوله سوى أن أهز رأسي موافقة له. إنه رجل طيب لكنه غير مهتم بآرائي وبما أقرأ. إني أعلم أن العقل لا بد أن يُشغَل في أمر ما، لكن ما هو هذا الأمر؟ لا تطلبي مني البحث عن هواياتي المفضلة، فقد جربت الكثير منها بلا فائدة. شاركت في أعمال تطوعية، وأذهب إلى دار العجزة كل أسبوع، لكني أكره ذاك المكان. لا تطلبي مني آخذ دورات تدريبية وعلمية، فقد أخذت الكثير منها كذلك. لا تطلبي مني البحث عن عمل، فأنا لست في عمر مناسب ليقبلني أصحاب الأعمال».
هذه واحدة من الأمور التي يعاني منها كثير من الناس، ليس في المجتمع الغربي فحسب.. بل هنا في مجتمعنا كذلك، النساء والرجال.. الصغار والكبار! حتى الموظفون منهم، لأن معظمهم – وكما يقول أحدهم – يتركون عقولهم في مقرات أعمالهم. إلا أن محاولة هذه السيدة للتخلص من الملل ومحاولة إشغال العقل – كما عبّرت – تبدو أكثر جدية من محاولاتنا التي تقتصر على – زيادة - التعلّق بالأمور المادية والمظاهر والانهماك والانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي، والتحديثات المستمرة بالمولات التي نزورها والوجبات التي نأكلها وأخبار الفرق التي نشجعها، ما جعل كثيراً من معاني الحياة غائبة عن البيوت ومعاملات الناس مع أهليهم ومجتمعاتهم. هذه السيدة لم تنجح رغم جديّة محاولتها، فكيف بمن لم يكلّف نفسه العناء واستسلم لتلك الحال؟ أيُّ حلٍّ سيجده وأيَّ حياة سيعيش؟ إن نموذج الحياة الذي يستنسخ الأيام يمثّل رُعباً لأولئك الذين تزدحم عقولهم بالأفكار وقلوبهم بالأمنيات، لأنه يقف عقبة أمام انطلاقها وتحقيقها. هذا النموذج الذي يتكون من أيام متكررة وأحداث لا تتجاوز حدودها حدود العمل والبيت والمسؤوليات الاجتماعية الروتينية أصاب كثيرا من أصحابه بالملل والكآبة بعد أن استسلموا له، وقد لا يكون هذا الاستسلام نتيجة للضغوط التي يعيشها الفرد، بل قد يكون نتيجة لثقافة وعادة و فكرة سائدة في المجتمع وهي أن الحياة في كوكبنا تسير بهذا السَير فقط!
ذكرت الكاتبة في ردّها على هذه السيّدة أن عليها البحث عن معنىً للحياة، وذلك أن تجمع بين سمات الحياة الأربع.. العملية والعاطفية والفكرية والروحية – وتقصد بها الدينية – فتسخّر الجسد والعقل والقلب والروح مع بعضهم البعض لإيجاد هذا المعنى. واسترسلت الكاتبة تشرح رأيها وتوضّحه.. بيد أنه يكفينا نحن أن نلتفت للأصل والجوهر لتتفق السمات الأربع وذلك بأن نبدأ في حياتنا من هذه الآية «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون». إننا إذن لم نُولَد ونتعلم وندرس ونتزوج وننجب ونعمل ونجمع المال لأن الحياة لا بد أن تمضي هكذا.. بهذه الطريقة بدون سبب يدفعنا ويحفّزنا .. فتكون إذن بلا معنى! كلا.. إن للحياة شكلا آخر.. نصنعه باستشعارنا لمعنى العبودية ثم بتحقيقه وملامسته في أفكارنا واهتماماتنا وأهدافنا أيّاً كانت.
إننا إذن نتطوع ونمد يد العون للآخرين.. لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. إننا نتعلم.. لأن أوّل توجيهٍ لرسولنا صلى الله عليه وسلم كان (اقرأ) فتكون الثمرة بإذن الله.. «إنما يخشى الله من عباده العلماء «. إننا نعمل.. لأن المؤمن القوي الذي يُدبّر أمر معاشه خير من المؤمن الضعيف الذي ينتظر الصدقة من الآخرين.
نروّح عن أنفسنا بممارسة ما نحب.. لأن الدنيا ساعة وساعة. يستمع الزوجان لبعضهما ويتشاركان في الحديث والاهتمامات.. حتى يتحقق معنى المعاشرة بالمعروف، فـ(هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن)، إننا بذلك نحقق الغاية التي خُلقنا من أجلها ونحقق كذلك معنى الإنسانية في ذواتنا إذ أن المولى عز وجل خلق لنا عقلاً يفكر ويتدبر ويتأمّل ويتعلم، وميّزنا به عن بقية المخلوقات، لا أن نظل كآلة تعمل في وقت محدد وتتوقف في آخر.