ضربت الصحافة الإيرانية خلال الأسابيع الماضية موجة محمومة من التعرض لدول الخليج، والسعودية خصوصا إلى درجة غير مسبوقة.
وكمتابع يومي للإعلام الإيراني وتصريحات مسؤولي النظام بكافة مستوياته، بدأ الصوت الإيراني يرفع من وتيرة العداء تجاه الجوار العربي، بل وصل الأمر للتهديد الصريح.
في السابق، اعتاد المتابع للشأن الإيراني على تصريحات مستفزة صادرة في الغالب من التيار الأصولي وقيادات الحرس الثوري وقوات البسيج (التعبئة)، إلا أنه تغير أخيرا، وبدأت هذه التصريحات تصدر أولا من مساعد وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان، ثم علت الوتيرة شيئا فشيئا فانتقلت إلى وزير الخارجية، وإن كان بشكل غير مباشر، قبل أن تصل للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي بدوره منح الرئيس حسن روحاني الضوء الأخضر لمهاجمة السعودية، وكان ذلك في خطاب ألقاه خلال زيارته الأخيرة لمدينة بوشهر.
يظهر هذا التناقض جليا في خطاب روحاني (رغم أنه ركز في حملته الانتخابية على ضرورة تحسين العلاقات مع السعودية)، إذ هدد وتوعد الدول التي تقف، بزعمه، خلف تراجع أسعار النفط، وذكر السعودية والكويت على وجه التحديد، ثم يعود ليقول إن هاتين الدولتين ستتضرران من هذا التراجع أكثر من إيران.
وهنا يقفز السؤال: إذا كان الأمر كذلك فعلا فكيف تتهمهما بالتآمر على إيران خاصة أنهما ستتضرران أكثر من غيرهما، فهل يريد إقناع الإيرانيين بأنه أعلم بمصالح الآخرين أكثر من أنفسهم؟!

تصدير المشاكل

إن تحليل التصريحات المسيئة للسعودية يقود إلى نتيجة واحدة تتمثل في أن النظام الإيراني يواجه صعوبات حقيقية وصلت إلى العظم، وجعلته يتألم خلال هذه الفترة، ولكنه بدلا من الاعتراف بذلك والعمل على حلها، سلك أسهل الطرق بتصدير مشاكله إلى الخارج.
في إطار العرف الدبلوماسي والأخلاقي، لا ترقى هذه التصريحات أن تصدر من مسؤولين صغار في دولة تحترم اسمها وسمعتها وصورتها في الخارج، ناهيك عن صدورها ممن يتربع على رأس الهرم الرجل الثاني في البلاد.
كما كتبت صحيفة إيرانية رسمية مرتبطة بإدارة تشرف عليها وزارة الداخلية عن ضرورة التدخل في الشأن الداخلي السعودي دون أن يصدر بحقها أي عقوبة أو تنبيه من الحكومة، فهذا يعني تواطؤ النظام وقبوله بذلك، وربما تكون تصريحات المسؤولين هي من قادت، بشكل أو بآخر، تلك الصحف إلى هذا التطاول المقزز.
تتحدث إيران دائما عن حضارة تمتد إلى 2500 سنة، وتقدم نفسها بالقوة العظمى والوحيدة بالمنطقة وأنها حامية أمن الخليج العربي، والمُلهِمة في الحنكة السياسية والدبلوماسية، ثم نرى قادتها ينحدرون إلى هذا المستوى أو يسمحون بذلك في وسائلهم الإعلامية.
إن هذا الإسفاف الإعلامي يؤثر على تاريخ هذه الدولة الجارة ويسيء إلى مكانتها إقليميا ودوليا، كما أن ذلك يكشف مدى هشاشة النظام والصعوبات التي يواجهها.

دوافع التهجم

تعد المسألة واضحة جدا ولا أعتقد أنها تخفى على ذكاء الشارع الإيراني وفطنته.
لقد قدم الرئيس روحاني وعودا كثيرة للشعب خلال حملته الانتخابية وبعد تنصيبه ولكن غالبية هذه الوعود لم تتحقق بل واتجهت الأمور في المسار المعاكس.
لقد وعد بحل مشكلة البطالة ولم ينجح، ووعد بضبط الأسعار وكبح جماح التضخم الاقتصادي فارتفع سعر رغيف الخبز الذي يعد غذاء الأسر الإيرانية الأول بنسبة 30 %، وراهن على رفع العقوبات الخارجية ولم ينجح، كما وعد بتحسين العلاقة مع دول الجوار فزاد الأمر سوءا.
ليس ذلك، بسبب تدخلات خارجية أو ظروف طارئة بل لأنه استمر في تكرار الأخطاء ذاتها التي وقع فيها سلفه محمود أحمدي نجاد.
لقد نأت دول الخليج بنفسها عن معاملة إيران بالمثل، وهي ليست عاجزة عن ذلك، ولكنها تتخذ من سياسة عدم التدخل في شؤون الآخرين مبدأ رئيسيا في سياساتها.

الحلول:

بداية، يحتاج الإعلام الإيراني أو من يوجهه ضد دول الجوار إلى إدراك أن التعامل مع الخلافات السياسية عبر الهجوم الإعلامي الذي يتجاوز حدود اللباقة وآداب المهنة يدل على ضعف الحجة والموقف من خلال انتهاج مسلك تهييج الشارع ضد ذلك الخصم والمنافس الإقليمي.
من هذا المنطلق، تحتاج طهران لإعادة استراتيجياتها الإقليمية التي لم تجلب لها إلا مزيدا من النظرة السلبية في دول الجوار، ويمكن تلخيص أهمها في النقاط التالية:

1ـ التوقف عن العزف على فزاعة العدو المتربص لإرهاب الشارع الإيراني والضرب بعصا الخطر الخارجي لعدم تحقيق المطالب الشعبية المتراكمة.
2 ـ بدلا من تبديد أموال الشعب على المليشيات المسلحة بالمنطقة، على النظام تحويل هذه الأموال إلى الداخل وانتشال الشعب من الفقر المقذع الذي يعيش فيه.
3 ـ الاقتناع بأن السعي لإنتاج السلاح النووي ومحاولة تهديد دول المنطقة بذلك لن يُخرج إيران من مشاكلها الداخلية.
4 ـ الاعتراف بالأخطاء السابقة أول الخطوات نحو التصحيح والخروج من المأزق.
إن عدم انسياق السعودية خلف هذه الحملة الإعلامية الشعواء يعد في حد ذاته درسا كبيرا لوسائل الإعلام الإيرانية التي ركبت موجة الإساءة للمملكة وكررت أسطوانات مشروخة حول هذا الوطن وقيادته وشعبه.