الحياةُ نهرٌ دائم الجريان، وشمسٌ تشرق بالأمل كل صباح، ذلكم النهر وتلكم الشمس، رسالتان واضحتان، ودلالتان ظاهرتان على استمرارية الحياة وتجدّدها، فمن لا يتقدّم يتأخر، ومن لا يتطور يتجمّد، ومن يتجمد فمصيره الموت.
!المشكلة أن بيننا أناسٌ أحياء شكلا، لكنهم ماتوا من دواخلهم، منذ سنين بعيدة.
تلك حقيقةٌ ساطعة ونظرية قاطعة، وقد شاهدتُ العديد من الحالات الإنسانية التي تُثبت صحتها.
فمع أول صدمة في حياة الإنسان اليائس، يتحوّل إلى شبح في ملابس إنسان، يخالط الناس وليس منهم، ويحدّثونه فلا يجيبهم، ويبقى على هذه الحالة حتى يوافيه الأجل، ليكون بذلك قد مات مرتين.
!فهل تلك المدة الزمنية التي عاشها - طالت أو قصُرت - تستحق أن تُسمى حياة حقيقية؟!وصلتني على بريدي الالكتروني رسالة، طلبت منّي صاحبتُها أن أروي قصتها، لعلها تواسي حزيناً أو تداوي مجروحا، وإليكم القصة: توفي زوجي - رحمه الله - بعد زواج استمر 13 سنة، رُزقنا فيها بطفلين، في ليلة الاحتفال بذكرى زواجنا، وبعد أن أتممتُ الاستعداد لتلك الليلة، حضر زوجي وكان سعيداً بالمفاجأة.
تناولنا عشاءنا، وفجأةً أحسّ زوجي بألم شديد في بطنه، وقال لي: أشعرُ بأني لستُ على ما يرام، اتصلتُ على أخي وطلبتُ منه الحضور سريعا.
في الطريق إلى المستشفى، وبينما كان زوجي مستلقياً على مقعد السيارة الخلفي، صرخ صرخةً شديدة، ثم انقطع صوته، وانقطعت معها أنّاته، لم أتوقع أن تلك الصرخة هي آخر صوت أسمعه منه.
! حضر أبي وإخواني إلى المستشفى، واصطحبني أحد إخواني إلى منزل والدي، وبعد ساعات لم أعد أتذكّر عددها، رجع أبي وإخواني للمنزل، وقالوا لي في حُزن: أحسنَ اللهُ عزاءَك في زوجك.
!أنا بطبعي - وهذا من فضل الله تعالى عليّ - صاحبة قلب مملوء بالسكينة واليقين، وهذا ما تأكّدتُ منه حين تلقّيتُ خبر وفاة زوجي رحمه الله.
بدأتُ مرحلةً جديدة من حياتي، لا وجود بها لشخص اختاره قلبي، وأحببتُه بكل جوارحي، نعم، رحل زوجي - غفر الله له - وهي الحقيقة التي بدأتُ أتعايش معها من لحظة تلقّي ذلك الخبر المؤلم.
وكنتُ أردّد باستمرار، وعن إيمان ويقين، هذه العِبارة: الدنيا لن تقف على فقدان أي شخص مهما كان.
فدائماً في الحياة متّسع، ما دامت قلوبنا تنبض بالحُب والتفاؤل والأمل.
!ثم تحكي صاحبة الرسالة هذا الموقف:تمّت إقامة حفل للأيتام، بمدرسة ابني الذي يدرس بالصف السادس الابتدائي، كلّمني أخي الذي يعمل بذات المدرسة، وقال لي في الهاتف: اليوم ترك ابنك زملاءَه الأيتام، فسألتُه بحضور عدد من المدرسين: لماذا لا تبقى مع زملائك؟ فأجاب: يا خالي، لم أشعُر في حياتي باليُتم، وأنا لي أمٌ مثل أختك.
! يقول أخي: اغرورقت عيون المعلمين بالدموع، بينما ارتسمتْ على وجه ابنك أجمل ابتسامة.
!تختتم صاحبة الرسالة حديثها قائلة: في ذلك اليوم وبعد عودة ابني من المدرسة، سألتُه عن القصّة، فقال: نعم يا أمي، فعلتُ ذلك عن قناعة تامّة، واسمحي لي أن أطلبك طلباً صغيرا.
! قلتُ له: عيوني لك يا حبيبي، أخذني ابني في حضنه وقال: أمي، أريدك مُبتسِمةً دائما.
! فقلتُ له: طلبك مُجاب يا حبيبي، وأنتَ أيضاً يا عزيزي، عِش طفولتك وشبابك وحياتك كلها بسعادة.
! هكذا تنتهي صاحبةُ الرسالة من حديثها، ويبدو أن رسالتها تعبّر عن مضمونها الإنسانيّ الرائع، بدون الحاجة إلى تعليق منّي عليها.
!
وتَستمرُّ الحيَاة!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
