سؤال يلوح بالأذهان: هل يتبنى مجلس الشورى إصدار قرار بدعم محاربة مظاهر الفقر ودعم التنمية الاجتماعية من أرباح البنوك؟! هذا السؤال يقفز من نافذة الواقع من خلال ما يأمله المواطن من مجلس الشورى من تبنيه لمثل هذه القرارات التي من شأنها أن ترفع المستوى المعيشي لكل المواطنين، ودعم التنمية الاجتماعية بكل وسيلة ممكنة. وبخاصة أن مؤشرات نسبة من يعيش تحت مستوى خط الفقر في زيادة وليس في تناقص.
إن تقديم خدمات للمجتمع لا تعتبرها تلك البنوك من ضمن مسؤولياتها الاجتماعية، واهتماماتها وأهدافها ولا تدخل ضمن رسالتها الوطنية. فلا يثري الدعم للتنمية الاجتماعية وتقديم برامج اجتماعية وترفيهية أو تقديم مساعدات للأسر المنتجة أو مساهمات لتشجيع البحث العلمي، فكلها أمور لم تفكر تلك البنوك في مجرد التفكير فيها. والواقع يشهد شهادة حق بذلك، وهذا التقصير والخلل في عمل البنوك تجاه المجتمع لم يعد سرا غائبا عن أعين كبار المسؤولين في الدولة فقد ذكرت صحيفة الرياض في عددها 16725 الصادر يوم 9 /6 /1435هـ أن سمو الأمير مقرن ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء انتقد البنوك وقال إنها لا تعطي بقدر ما تأخذ ونوه عن تقصيرها في دعم الفقراء.
في اعتقادي أن مجلس الشورى لو بحث قليلا لوجد أن هناك مصادر تمويلية كبيرة في متناول اليد. وفي مقدمتها ما تجنيه البنوك من أرباح فلكية كل عام، فهذه الأرباح هي في حقيقتها وجوهرها جاءت نتيجة وجود أموال للمودعين وأصحاب المدخرات الذين يتحرجون من أخذها، خشية الوقوع في الربا، ولو طالب المودعون بنسبة الأرباح الخاصة بهم لما دخلت كل هذه الأرباح لخزينة البنوك. وهو أمر ينهض سببا ومسوغا لإجراء دراسة متكاملة لكيفية الاستفادة من هذه الأرباح، ومن ثم محاسبة البنوك ومشاركتها في الأرباح ومن ثم تحويلها لدعم الأنشطة الاجتماعية والقضاء على جميع مظاهر الفقر لأجل الارتقاء بالتنمية الاجتماعية. وهذا الأمر سيكون له بالغ الأثر في رفع المعاناة عن المحتاجين وزيادة الدخول بشكل يرفع من مستوى المعيشة لدى هذه الفئة وفئات أخرى إلى المستوى اللائق بإنسان هذه الأرض التي تنعم بخيرات كثيرة، وتعتبر من الدول المتقدمة في العالم في الوفرة المالية. وبخاصة أن هذه البنوك لا تفرض عليها ضريبة دخل كالدول الأخرى.
ذكرت صحيفة الاقتصادية بعددها 7403 بتاريخ 16 /3 /1435هـ أن أرباح المصارف السعودية قفزت إلى أعلى مستوى في تاريخها على الإطلاق خلال عام 2013 لتحقق بنهاية العام 37.62 مليارا! ومع ذلك لم تخصص منها ريالا واحدا يصب في قنوات المصلحة العامة للوطن، فقد أشاحت بوجهها عمداً عن حاجات المجتمع فلم ترد له بعض حقوقه عليها من مساعدة للمحتاجين أو تمويل مشاريع تنموية اجتماعية كدليل عرفان ورد جميل لهؤلاء المودعين الذين تركوا الجمل بما حمل لهذه البنوك، مما جعلها تبدع في التخطيط لكيفية استغلال المزيد من النقود من جيوب الناس، فلا قرض إلا بقيود وأغلال تكبل العميل يرسف فيها من عمره أمداً طويلاً، وقد تأتي على الأخضر واليابس فيضطر إلى مزيد من الاستدانة لتسديد القرض، مع أن أساس هذا القرض قد يكون من مدخرات لأخيه أو أبيه أو ابنه في هذا البنك.
الأرباح التي تجنيها هذه البنوك لا شك أن المودعين يستحقون المشاركة فيها لولا أنهم يخشون شبهة الربا، فلولا هذه الإيداعات لما استطاع البنك الإقراض الكبير وجني الأرباح، وطالما أن المودعين لم يرغبوا في المشاركة في الأرباح فإن البديل هو أن يحل بيت مال المسلمين محلهم وهذا يجد سنده فيما أرى في فعل الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما شارك ابنيه في أرباح المال الذي أتيا به من أمير البصرة أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وقد كان ذلك بإجماع من الصحابة على هذه المشاركة. والواقعة تتلخص في ما جاء في الموطأ يقول: «إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أخذ من ابنيه المال الذي أعطاهما أبو موسى الأشعري كاملا ثم شاركهما الربح فأخذ النصف وهي المسألة المعروفة في الفقه الإسلامي بالقراض، وتفصيلها معروف لدى الفقهاء، فأخذ عمر رأس المال ونصف الربح، وأخذ أبناء عمر نصف ربح المال. وكان ذلك في جمع من الصحابة فكان إجماعا. وقياساً على قيام البنوك بأخذ مبلغ محدد من الحسابات الجارية التي تقل عن ألف ريال، في المقابل من حق صاحب الحساب أو الوديعة أن يتحصل على مبلغ محدد نظير بقاء رصيده الذي يزيد عن ألف ريال في البنك، وقيام البنك باستغلال هذا الرصيد في القروض والمرابحة التي يجني منها أرباحا ضخمة وكبيرة.
إن قيام مجلس الشورى بهذا الإجراء أمر يتمناه كثير من المواطنين وفقا للمبادئ الإسلامية التي تدعو إلى التكافل الاجتماعي ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» والاهتمام ليس مجرد التحدث عن أمور المسلمين بالقول ولكن بالقيام بكل ما من شأنه أن يرفع عنهم كربتهم وشدتهم ويحقق لهم الحياة.