كان صباح الخميس الماضي مميزا بكل مكوناته وكافة مكنوناته؛ تزينت به سماء طيبة الطيبة فتعطر بأريجها، حيث أقام مجمع الأمل للصحة النفسية بالمدينة المنورة الملتقى الثاني للتحفيز والمعرض المصاحب له «من منتجات المرضى»، وشارك فيه عدد من مجمعات الأمل من كافة مناطق المملكة.
وشرفت بدعوة كريمة من مدير عام الشؤون الصحية الدكتورعبدالله بن علي الطايفي، ليتيح لي فرصة الاطلاع على ما يسرّ النفس ويبهج الخاطر؛ فأصحاب الحالات نفسيا أثبتوا أنهم منتجون بكل ما تعنيه الكلمة، وقد عاينت منتجاتهم التي أبهرت كل من شاهدها، وربما ظن الجميع لوهلة أن كل معتل نفسي قد بات عضوا فاسدا في المجتمع لا يمكن أن يفيد، وربما ذهب البعض لأبعد من ذلك، ولا أريد التصريح؛ فمجتمعنا ينظر لصاحب الحالة النفسية نظرة عجيبة، سمتها التذمر منه، فتجده لا يود استلامه من المستشفى حتى لو اكتمل علاجه، وانتقل من حالته وأصبح سليما سويا! وبودي أن أنتقل إلى ما رأيته من أعمال وما سمعته من إحصائيات وما رأيته من أجهزة حديثة، تجعل المرء يطمئن إلى حد كبير أن هذه الشريحة - التي يؤسفني أن أقول إنها باتت تكبر يوما بعد آخر- تحاط بالعناية وتحظى بالاهتمام، على الرغم من التكلفة العلاجية الكبيرة.
فالملفت هو تزايد العدد من مجمع لآخر، حتى بلغ عدد من راجعوا بعض تلك المجمعات قرابة الأربعين ألفا في العام الماضي فقط، وهو معدل كبير يتجاوز مائة معتل يوميا!وبطبيعة الحال فإن مرضى الاكتئاب النفسي احتلوا المرتبة الأولى في تلك الإحصائيات، وتلاهم مرضى الانفصام، وهذا كله يستوجب الحذر؛ فلم يكن المجتمع السعودي المسلم يعرف هذه الأمراض بهذا الكم، وقد استمعت لشرح من قبل القائمين على مجمع الأمل بالرياض وذكر المتحدث بالحرف الواحد أنه مضى شهر على افتتاح أول مستشفى في الرياض ولم يأته مريض واحد، ليصبح العدد في العام الماضي فقط قرابة ثمانية وثلاثين ألفا!ولا شك أن العاطلين «ومن في حكمهم» يستولي عليهم هذا المرض، فتجد الفرد يضنيه الملل وهو في قوائم الانتظار، وربما وجد من هو أقل منه شهادة أو معدلا وقد تم تعيينه (بفعل الواسطة)، وينعكس ذلك سلبا عليه فيصاب بالاكتئاب، وقد قرأنا عن حالات بلغ بها هذا المرض مبلغا ربما قاد إلى الانتحار.
ومن أسف أننا لا ندرس الأسباب ونحاول معالجتها، بل جلّ همّنا هو معالجة النتائج، وتجدنا نعيش في دائرة مفرغة، إذ السبب باق، وما لم يعالج فلن يتم القضاء على المشكلة.
والانفصام ينتج عن ضغوط نفسية شديدة ربما كان سببها اللجوء لأكثر من وظيفة، وبالتالي يضيق المعتل نفسيا ذرعا حتى يودي به ذلك إلى الانفصام.
هذا كله يوجب على جميع الجهات التكاتف، والإسهام في مساعدة كل من يتعرض لشيء من ذلك، حتى لا يعاني نفسيا، ومن غير المقبول ولا المعقول أن تتحمل وزارة الصحة عبء هؤلاء، في حين تقف تلك الوزارات - التي ربما كانت سببا رئيسيا فيما آل إليه ذلك الشخص - موقف المشاهد!أما عن الوعي المجتمعي فهو - بلا شك - أقل بكثير مما يفترض؛ ففي الوقت الذي نرفع فيه شعار التكاتف والتعاضد كمجتمع مسلم، ويؤكد علماؤنا أنها مبادئ لا خلاف عليها، نجد المجتمع يرفض صاحب تلك الحالة، بل إن كثيرا من الأسر تخشى من الإفصاح عن حالة ذلك الفرد، وبخاصة الإناث، فقد كانت الإحصائيات تميل وبشكل كبير لصالح الذكور، والسبب يعود لعادات مجتمعنا، وهو ما كان يقوله مدير عام الشؤون الصحية ويؤكده بحسرة كبيرة.
وختاما فإن تلك المنتجات تؤكد أن صاحب الحالة النفسية - وأتعمد ألا أصفه بالمريض - هو عضو فاعل يمكن أن يستفيد منه المجتمع، لو تم التعامل معه بشيء من الرقي.
وبودي لو تعمم هذه التجربة مع بقية المرضى، وبخاصة من يعانون أمراضا مزمنة أو مستعصية، فهي تبثهم الروح المعنوية، ويمكن أن يكون لها مردود إيجابي سواء من الناحية النفسية أو المادية، فهل تدرس وزارة الصحة هذا المقترح؟
تحفيز في النفسية.. وماذا عن البقية؟!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
