وأقصد بالزمن الجميل تلك السنوات التي سبقت الطفرة المالية التي كان لها إيجابيات كثيرة ومنها هذا التطور والتقدم الذي نعيشه، وكان من أبرز سلبياتها أنها حولت مجتمعنا إلى مجتمع مادي. وأنا هنا أتذكر ما قبل تلك المرحلة كيف كانت النفوس صافية والقلوب متآلفة والصلة موجودة، بل قوية، وكان المجتمع على قلب رجل واحد، الجار يعرف جاره وجميع المحيطين به من السكان، وكان التواصل معهم يوميا، وكذلك الأقرباء والزملاء والأصدقاء، وكانت القناعة متأصلة في النفوس البشرية وأهم من هذا وذاك تماسك الأسرة وتكاتفها وتفقد أحوال بعضها بعضا.
كان الجميع يشعر ببهجة المناسبات والأعياد وينتظرونها بفارغ الصبر، وأذكر على سبيل المثال إذا أتى عيد الفطر كان جميع الأقارب والأصدقاء والجيران يتزاورون فيما بينهم، وكان يتم تسجيل المعايدات وتقدم الحلوى والطيب لكل زائر بفرح وسرور، فقد كان عيداً سعيداً بحق، أما مناسبات الزواج فلم يكن هناك قصور أو صالات أفراح أو استراحات بل كان كل جار يقوم بفتح بيته ويجهزه لصاحب هذه المناسبة السعيدة ويتم تجهيز الطعام ولوازمه في نفس الشارع، وكان جميع الجيران وأبنائهم يقومون بتقديم القهوة والشاي للحضور وتجهيز موائد الطعام ولوازمه وكذلك الأمر للمناسبات الحزينة.
لقد افتقد مجتمعنا ذلك الزمن الجميل وتلك الأيام السعيدة وحل محلها وللأسف الشديد التنافر والتباغض وسوء الظن، وزادت المشكلات والخلافات، وعرف الناس طريق المحاكم وأقسام الشرطة، وضعف تبعاً لذلك التواصل الاجتماعي، وتأثرت صلة الرحم، بل وصلت حد القطيعة، داخل الأسرة الواحدة، وازداد التفكك الأسري وارتفعت معدلات الطلاق، وتنامت مشكلة العنف، بل تحولت إلى ظاهرة، وارتفعت معدلات التدخين بأنواعه بين الشباب والشابات، وتفشت المخدرات، وظهرت بعض المظاهر السلبية في مجتمعنا مثل التفحيط وظاهرة البويات والدرباوية وابتزاز الفتيات واستغلالهن جنسيا وماديا، وغيرها من الظواهر السلبية التي تتطلب قيام الجهات ذات العلاقة لبحث ودراسة الأسباب المؤدية لها وسبل علاجها، بالإضافة إلى مواجهة السلبيات التي أشرت إليها في هذا المقال، فالأمر جد خطير وما خفي كان أعظم، وأقصد به الانحراف الفكري الذي وصل إلى حد التشكيك بالذات الإلهية والتطاول والنيل من الرسول صلى الله عليه وسلم، والتحزبات الضارة بالدين والوطن والمجتمع والقيادة، والتي تعتبر دخيلة على مجتمعنا، ونجم عنها ضياع الكثير من الشباب الذين انغمسوا في هذه التيارات وقذفت بهم إلى الهاوية، ومن ثم إحراج الدولة مع العالم الخارجي، مما دفع بالدولة ممثلة في وزارة الداخلية إلى إصدار بيانها الشهير، فهل يعي ويدرك هؤلاء الشباب خطورة أفعالهم وسوء تصرفاتهم؟ أرجو ذلك.