منذ أكثر من عقد من الزمان وموضوع إدراج مادة التربية البدنية مطروح للنقاش داخل الأجهزة الحكومية وخارجها، فوزارة التربية والتعليم تنظر إلى هذا الموضوع من الناحية المادية وإمكانية تجهيز المدارس بالمرافق الرياضية، وأعتقد أن هذا الأمر لن يجد العوائق المستحيلة لتنفيذه. ولكن هناك ما هو أخطر من التجهيز والاعتماد المالي.. إنه الاجتهاد وإصدار فتاوى التحريم.
سماحة الدين جعلت الاجتهاد مخرجا لكثير من أمور العصر المعقدة، وهذا من باب التخفيف على المسلمين في مستجداتهم اليومية وفق ضوابط الدين الحنيف، وهذا الباب يقوم على دراسة الواقع ومن ثم الاجتهاد بفتوى تيسر على المستفيدين.
والرياضة البدنية في مدارس البنات أجلى وأوضح من أن تدخل في باب الاجتهاد، فليس هناك ما يمنعها شرعا أو عقلا، وإذا بحثنا في موضوع الرياضة والنشاط البدني من الناحية الصحية فهو مطلب ضروري للكل، فالدورة الدموية لدى الرجال هي نفس الدورة الدموية لدى النساء، وما يصيب الرجال من أمراض تصاب به النساء، وأمراض العصر منتشرة بين الرجال والنساء، خصوصا هشاشة العظام المنتشرة بين النساء نتيجة قلة النشاط البدني، ولذلك يطالب المختصون بممارسة النشاط الرياضي بشكل يومي للحفاظ على أعضاء الجسم وتجنب الأمراض، ومن خلال ذلك نجد أنه من الطبيعي أن يكون هناك وقت لممارسة النشاط الرياضي في مدارس البنات كما هو في مدارس البنين، ومن هنا كان من الواجب، إذا لزم الأمر، أن يدعم الاجتهاد هذا الأمر لما فيه من مصلحة لصحة المرأة والمجتمع.
كثير من الفتاوى حرمت ممارسة النشاط البدني في مدارس البنات، ولا أعلم ما هو الأمر الذي استند إليه أصحاب تلك الفتاوى في التحريم، هل هناك اختلاط في مدارس البنات؟ هل ممارسة النشاط البدني في مدارس البنات وجه من أوجه الانحلال؟ هل رياضة البنات تقوم على منكر؟ أم أنها من باب فرض الرأي بعد أن أخذتهم العزة بالإثم؟
حقيقةً لا أعلم .. هل ما وصلنا إليه من السذاجة في الاجتهاد هو أمر مضحك أم أنه أمر محزن، فمن العار أن يرتبط ديننا السمح بمثل هذه الاجتهادات التي تشوه المجتمع. أنا لا أعلم أين وجه التحريم .. فبعض ممن حرموا يقولون إنه سيكون هناك فتنة بين البنات .. هل وصلنا إلى هذه الدرجة من الانحلال في المجتمع؟ هل من أصدروا الفتاوى يعيشون معنا في نفس المجتمع أم أنهم في كوكب آخر؟ أم أنهم ينظرون إلى الأمر بمنظار ثقافتهم؟
للأسف أنه يوجد لدينا ممن ينتسب إلى العلم يرى بأن المرأة مجرد وعاء للحمل والذرية، ولم يعلموا أن تلك المرأة تمثل نصف المجتمع، وأن الحرص على صحتها هو حرص على صحة أجيال قادمة، وأن العقل السليم في الجسم السليم، حتى وإن كانت التربية البدنية في المدارس من باب الترفيه فمن حقها أن ترفه عن نفسها بصفتها إنسانا كاملا.
أعتقد أن من يدعم فتاوى تحريم الرياضة المدرسية يحتاج إلى أن يعيد النظر، فالتبعية لا تكون في أمور تنافي العقل والمنطق.
بهذه الفتاوى هم يتهمون بناتنا بالانحلال، بل إنهم يتهمون كل المجتمع بأنه مجتمع شهواني منحرف، بل الأخطر من ذلك هو كيف سُمح لهذه الفتاوى بأن تعيق أمرا يعود على نصف المجتمع بالفائدة؟
اختلفت أوجه التحريم لمن أفتوا بتحريمها، فمنهم من قال إنه يفتح باب العشق بين الطالبات، ومنهم من قال إن الرياضة ستؤدي إلى فض البكارة، ومنهم من قال إنها باب لإشراك المرأة مستقبلاً في مسابقات دولية .. أسباب لا يقبلها عقل أو منطق أو دين، لم ينظروا إلى الفائدة الصحية وتربية النشء على ثقافة النشاط البدني كعنصر مهم لصحة الإنسان، كل ما يسيطر على فتاواهم الفتنة والعشق والبكارة وكل ما يتعلق بالجنس ولا أعتقد أن هناك عاقلا معتدلا يقبل هذا المنطق الديكتاتوري.
أخيرا أقول: إن هذا الموضوع يحتاج إلى قرار رسمي حاسم يكون في صالح المرأة وصحتها، ولا يستطيع شخص إنكار الفتاوى والاجتهادات التي حرّمت في السابق تعليم البنات والإذاعة والتلفزيون... الخ، ومن أفتوا بتحريمها في السابق يتسابقون عليها اليوم، كل ما يلزم لإغلاق هذا الملف هو قرار رسمي، ومن أراد أن يمنع بناته فهذا الأمر عائد إليه.