ثمة أطياف داخل مجتمعنا يلفت النظر إليهم قوة تأثيرهم في الواقع الجمعي بكل تجلياته. أزعم أن هذه الأطياف يمكن إيجازها في فئتين اثنتين، إحداهما تمثل أكبر إحراج لمجتمعنا أمام نفسه، وأمام الآخرين من حولنا! والثانية فئة تستغفل عقولنا عندما تضطر بين الحين والآخر إلى إصدار بيانات وخطابات، تحاول تجميل الواقع وإبرازه على غير حقيقته. أما الفئة التي تشكل لنا مثار إزعاج وحرج، يفضحنا أمام الآخرين داخل مجتمعنا وخارجه، بعد أن يكون قد أحرجنا أمام أنفسنا، لأن أفرادها في النهاية (منا وفينا)، ولا شك أنني أقصد في هذا السياق من يوصفون بـ»المحتسبين المتطرفين»، فهذا الطيف من مجتمعنا يمارس كثيرا من التطرف (بلاحد) والإقصاء (بلا عقل)، تماهيا مع قناعات عجيبة في صلد رؤوسهم! كيف تفسرون «هذا الجمع من أولئك الذين اجتمعوا وخرجوا متجهين للإدلاء ببيانات رفضهم واعتراضهم لتجاوزات -رأوها- في حق الشريعة الإسلامية العظيمة، وصولا إلى قبة (الشورى) ثم إلى (الديوان الملكي).. وهم في كل تلك (الهلليلة) لا يناشدون بأكثر من إلغاء (فكرة) إقرار مادة التربية البدنية في مدارس البنات! بجد.. هذه هي التي (ما بعدها)! ولن أناقش عقولكم بالطبع في شرعية وعقلانية تلك المسيرة الاحتجاجية، وأنا أرى طيف شيخنا الجليل أبي حنيفة قد مد رجليه معكم! كيف يكون الحال عندما نرى منهم قريبا غائبا، وكيف تكون وجوهنا عندما يسألنا (مقيم) معنا: «إلى أين يذهب هؤلاء الشيوخ.. ولماذا»؟ (بالله عليكم) أي وجه يمكن أن ينطق لسانه بإجابة، تقفز مفرداتها إلى عصور بالية. هؤلاء (البسطاء) محسوبون علينا.. على ثقافتنا.. على تعليمنا.. على قادتنا.. فيا لها من (أفعال) ثقيلة،تهدد (قارب) نجاتنا نحو الحياة! ليس ثمة تفسير نفسي، وليس منطقيا بالتأكيد، لهذا المشهد، سوى أن أفراد هذه الفئة تخيلوا -وكثيرا ما تخيلوا- أن لديهم صكا (شرعيا) على (المرأة) لدينا، ولذلك فإن كل الجهود التي تمارس من أجل الحفاظ على كرامة المرأة وحريتها وإنسانيتها، تعتبر اجتراء آثما على (أملاك) هذه الفئة، وإلا كيف نفسر الهياج المثير للخجل عند أي أمر تقرره الدولة من شؤون المرأة لدينا (كالإقرار بتأنيث المحلات النسائية..مثلا)، والذي كنا نظن أنه أعلى سقف (لصلف) التطرف، فإذ بنا نرى مشهد الاحتجاج على مجرد حركات رياضية لبناتنا داخل مدارسهن! وفي سياق آخر هل يمكن أن نجد في العالم القديم والحديث (كله) أفرادا يصعدون إلى منصة شعرية داخل مؤسسة ثقافية في بلادنا، فيعتدون على شعرائها ليمنعوهم من أن يقولوا لجمهورهم شعرا حديثا، (وهم الذين يقولون ما لا يفعلون كما هي طبيعة الشعر)؟ أليست تلك المشاهد تحرجنا أكثر مما تغضبنا؟ إنها حقا تجعلنا نرتهن دائما للحظة ظلامية ولا أقول لحظة (ماضوية)، لأن الفكر في تلك اللحظة (السالفة) كان حديثا وإنسانيا ومتحضرا (ألم تكن المرأة لدينا تصعد لأخذ عسل الجبال، وتعمل في الحقول وتدرس الأولاد في البيوت والكتاتيب)؟ أما الفئة التي (تستغفلنا) و(تحاول تجميل واقعنا، فهي الفئة التي يمثلها قادة بعض المؤسسات الحكومية الأكثر قربا من حياة الناس، والذين تفتقد مؤسساتهم لمخرجات إيجابية تؤثر مباشرة في الواقع الجمعي المنتظر.. فعندما يصدر عن وزير الصحة في بلادنا حديث (على هامش) مؤتمره الصحفي التقليدي (عن نجاحه الذاتي فقط في فصل التوائم السيامية)، وليس بيانا (خاصا) عن الهم الاجتماعي المؤرق في لحظتنا الراهنة، بسبب فتك فيروس (كورونا) المدمر بحياة بعض ممن كانوا يقدمون لنا الخدمات الطبية من أطباء وممرضين، وبحياة مواطنين في مستشفيات البلاد.. ألا تكون تلك اللحظة (الباردة) استغفالا لعقولنا، التي ملت في البحث عن حقيقة الأخبار التي ترد متناقضة على لسان إدارات الصحة في البلاد، ومفزعة بروايات لمرضى، كانوا وما زالوا في قلب المشهد المرضي؟ ثم ألا يكون استغفالا لعقولنا إقامة وزير الصحة معرضا للصحة الالكترونية، في الذروة الزمنية لفاجعتنا الصحية (تلك)، وهو يعلم أن افتراض واقع مثالي في شؤونا الصحية تحديدا، لا يمكن أن يغيب أنظارنا عن العالم الحقيقي المفعم بمرضى (حالاتهم خطرة) يتعالجون في ممرات المستشفيات، وبـ(شيبان وعجائز) تعطى لهم مواعيد بالسنوات لعلاج أعضائهم التي أعياها تعب الطريق للمستشفى الوحيد! (رغم أن معالي الوزير قد أشار في معرضه ذلك، بأن مشروع الأدلة الالكترونية يساعد المريض في البحث الالكتروني الجغرافي عن أي مستشفى يريده، (يعني..من كثرة مستشفياتنا!) فاثنا عشر مليونا في جدة -مثلا- يتعالجون في مستشفى ونصف.. فقط! وفي مشهد آخر يصرح مدير الإدارة العامة للمرور، بأن نظام تفعيل الخدمات الالكترونية (أيضا) ساعد على الاستفادة من الأفراد الإداريين في الميدان (الحقيقي)، رغم أن الواقع يفصح عن غياب (مرير) لسيارات المرور في الطرقات ذات الاختناقات الهائلة (ولعل طريق الحرمين بضيقه وتحويلاته وشاحناته المهلكة، يمثل شاهدا صارخا لهذا الغياب، لدرجة أن الشاحنات تتسابق على اسفلته المهترئ، وتعكس اتجاه السير للولوج إلى المدخل السابق)! ماذا نصنع في (حضرة) هاتين الفئتين اللتين تحرجاننا أمام أنفسنا والآخرين والسياق الحضاري للأمم، وتستغفلنا (عيانا بيانا) في إظهار (الكمال) داخل فضاءات تعج بـالخواء والإهمال؟!.. أنتم و(هم) أبخص.. بالتأكيد!