سررت جدا وأنا أشاهد عددا من أبناء وبنات الوطن وهم يناقشون أساتذة وممثلي أرقى وأعرق الجامعات العالمية حول فرص الدراسة والتخصصات العلمية التي يمكن أن يلتحقوا بها، ليكون الطالب على دراية تامة بمتطلبات القبول وخطة الدراسة في التخصصات الجامعية المتعددة، وهذه إحدى ثمار معرض ومؤتمر التعليم العالي الذي عقد برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين بالعاصمة الرياض الأسبوع المنصرم تحت عنوان (الابتكار في التعليم العالي)، وحفل بالعديد من الفعاليات وورش العمل المصاحبة بمشاركة (500) جامعة عالمية وعدد من المعاهد والمنظمات المهتمة بالشأن التعليمي، وأعتقد أن وزارة التعليم العالي إنما جعلت موضوع الابتكار المحور الرئيس في المؤتمر ليتناسب مع خطط التنمية وتنويع مصادر الاقتصاد الوطني من خلال التحول نحو مجتمع المعرفة وما يتطلّبه من العمل الجاد برؤية استراتيجية طموحة توظّف الإمكانيات المتاحة لإحداث فرص تتلاءم مع معطيات العصر وإيجاد ساحة جديدة لاستيعاب الخريجين من الجامعات المحلية أو خريجي الجامعات التي ابتعث إليها أبناء الوطن في أنحاء العالم، وإذا كان الابتكار خيارا استراتيجيا مهما في مجتمع المعرفة فإن السرعة التي يشهدها الميدان الاقتصادي تشكل تحديا كبيرا في ظل التقدم الهائل في المجال العلمي والتغير اللحظي للتكنولوجيا وتعدد وسائلها وأنظمتها التطبيقية، وهذا يتطلب من مؤسساتنا الأكاديمية والتعليمية تطوير خططها وبرامجها للسير قدما نحو توظيف الثورة المعلوماتية ووسائلها التقنية للمضي في مشروع التحول لمجتمع المعرفة، وتشخيص قضايا الاقتصاد الاستراتيجية والوقوف على التحديات التي تواجهه والبحث عن وسائل تنميته وتطويره لتحقيق التنمية المستدامة لمجتمع متقدم منتج للمعرفة، وإذا كان عصر العولمة قد كسر قيود احتكار المعلومة وقَصْرِها على مجتمع دون آخر، فإن الابتكار هو الميدان الجديد لفرض القيود عليه واحتكاره كقيمة اقتصادية وثقافية تسجل لمن يسبق إليها، فعصر العولمة لا يقبل الانكفاء والبعد عن التعاطي معه، لكنه يتطلب فهما عميقا لفلسفته، ويرى الأستاذ الدكتور مصطفى الإدريسي في كتاب مجتمع المعرفة العربي ودوره في التنمية أن التصدي للعولمة ليس مستحيلا حيث يقول: (الذكي هو من يفهم فلسفة العولمة وآلياتها، ويسخر ويوظف ما أتاحته من فرص تقنية لاستغلالها أفضل استغلال لتحقيق تنميته الذاتية، ويستخدم نفس شبكاتها ووسائل اتصالاتها ليضخ فيها أحسن ما نملك وننتج) فالمعيار هنا الإنتاجية ونوعيتها وتأثيرها، ولدينا بحمد الله القدرات البشرية والآلية والمالية التي نستطيع من خلالها تحقيق بيئة محفزة للإبداع والابتكار، فكما يشير الكاتب (دريكر) إلى أن مصادر الابتكار تعود في أساسها إلى البيئة سواء البيئة الخاصة (بيئة الصناعة) أو البيئة العامة، فإن الوزارة في ظني عندما رفعت شعار (الابتكار) لمعرضها الخامس هذا العام هدفت إلى الاستفادة من خبرات الجامعات العالمية المشاركة وتجاربها في هذا المجال وهي بذلك تعزز أرضية البيئة الجاذبة والمحفزة لثقافة الابتكار كخيار مهم نحو بناء المجتمع والمساهمة في رقيه وتقدمه، فالابتكار في عالم اليوم بات حاجة ملحة تسعى إلى بلوغها العديد من المنظمات، سيما في بيئة تتصف بالنمو المتسارع وما يصاحبها من ضغوطات وتهديدات، الأمر الذي يتطلب تضافر جهود المؤسسات الأكاديمية والتعليمية والتدريبية لتحفيز القدرات واستثمار الطاقات نحو الإبداع والابتكار وإبراز الجهود الوطنية العاملة في هذا المجال.
الابتكار.. خيار استراتيجي في عصر العولمة
عبدالله بن خميس العمري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
