في الخوف يمكن أن يحتمي المرء في كل مكان، لكن كيف له هناك أن يحتمي من ألمه؟ من فراغه الداخلي الكبير، من المعاناة الصامتة التي تسري في الروح، من رعب الحياة الهائل، رعب العالم؟ رعب الإنسان من الداخل أقسى من أي رعب ممكن أن يمس البشر. وهو منشأ كل المتاعب النفسية والاكتئاب الذي يعاني منه معظم الناس اليوم. في قصة غريمالدي حكمة كبيرة عن بحث الإنسان عن السعادة ليشفي رعبه الداخلي.
ذات مساء من سنة 1808 دخل عيادة الدكتور جيمس هاملتون في مدينة مانشستر بإنجلترا رجل هزيل كئيب، صُعق الطبيب لمظهره الكالح المضني فسأله:
- أأنت مريض؟
- أجل أيها الطبيب مريض مرضاً مميتا.
- أي مرض تشكو منه؟
- أنا مذعور من رعب العالم المحيط بي، أنا منبوذ من الحياة لا أستطيع أن أجد السعادة في أي مكان، ولا شيء يسليني، وليس لدي ما أعيش من أجله، فإذا لم تستطع مساعدتي فسأقتل نفسي.
رد الطبيب: هذا المرض ليس مميتاً، كل ما ينبغي لك عمله هو أن تخرج من نفسك، كل ما تحتاج إليه هو أن تضحك وتفوز ببعض المتعة في الحياة.
- وماذا ينبغي لي أن أفعل؟
- اذهب إلى السيرك الليلة لمشاهدة المهرج (غريمالدي) فإنه أعظم مسلّ حي، إنه سيشفيك.
فقال ذاك الرجل الحزين البائس: أنا (غريمالدي) أيها الطبيب!
نعم، السلام يأتي من الداخل، لا تبحث عنه في الخارج. فإن كان الإنسان لا يتوق إلى بلوغ حالة الخلاص والغبطة الأبدية، فإنه بلا شك لن ينجو من رعب الداخل وسيُظل حدوده بالوجود الحيواني المأكل والمشرب والنوم والاستمتاع بالملذات الحسية التي هي للإنسان والحيوان على حد سواء، فما يميز الإنسان هو رغبته الجدية في الوصول إلى ما هو أبلغ من مجرد الوجود المادي.. فاجعل لحياتك معنى.