أطلال "واتس آب"
شاهر النهاري4 دقائق للقراءة

حجم الخط
يتباهى البعض منا بعدد مجاميع «المحادثة» التي يزخر بها هاتفه الخليوي، حتى ولو كانت «قَيْداً أَدْمَى مِعْصَمه»، وينكر، وهو يحيل بعضها إلى وضع «الصامت» كنوع من «إِبْطَاءُ المُدلِّ المُنْعِمِ».
مجموعة لأسرته الصغيرة، وأخرى للأسرة الكبيرة، ومجموعات لزملاء الدراسة والعمل والهواية والشلة والقبيلة وغيرها، مما قد يلتقي بروابط إنسانية حقيقية، أو «خَيَالٌ حَائِرٌ مِنهُ دَنا».
وقد يكون من الصعب خلق التجانس بين أعضاء المجموعة الواحدة باختلافاتهم العمرية والتربوية والفكرية، مما يدعو القائم على المجموعة للإضافة أو الحذف، أو استرضاء من تُشابه علاقاتهم «صَرْح مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى».
الوضع بلا شك جديد على مجتمعاتنا المنغلقة، فكنا نقول للضيف الخفيف: «أَيْنَ مِنّي مَجْلِسٌ أَنْتَ بِهِ»؟. ونستقبله، نجامله ونحاوره، ثم يغادرنا بخفة ولطف قبل أن نصرخ فيه بضيقة: «أَعْطِني حُرِّيَتي أطْلِقْ يَدَيَّ». أما الآن فبعض الضيوف يصبح كالقيد الدّامِي المفروض علينا، ويجعلنا نقول في أنفسنا: « لِمَ اُبْقِيْهِ وَمَا أَبْقَى عَلَيَّ».
في مجتمعاتنا لم نتعود العلاقات المستمرة مع من يُعتبر غريباً بعض الشيء، ولا يطول بيننا التخاطب «بفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ» فكانت حواراتنا في الماضي كلمتين برزانة واحترام، ثم «يَمضِى كُلٌّ إِلَى غَايَتِهِ» أما الآن وعلى برامج المحادثة فالحوارات متسارعة متقاطرة، والإشاعات تهطل على رؤوسنا مطراً، والمنقول الغث سيل يقتلعنا عن طريقه، والآراء المتصلبة تبني السدود، وتهدمها بالتشكيك، فتُردم بالسطحية، وكل يدعيَّ أنه الأبصر، ويأتيك «مدرعم» من أقصى الثقافة يسعى، ويهيل عليك النصح، ويُسمعك من الأحاديث ما قد يكون ضعيفاً أو موضوعاً، ويسألك بوجه الله أن ترسل لتؤجر بقدر كذا مضروب في كذا مقسوم على كذا!. ويكون تفاعل الأعضاء إما بتبعية فجة، أو مجاملة زائفة، أو «بتطنيش» واضح، أو جفوة وتصادم، «وَإِذَا ٱلْفَجْرُ مُطِلٌّ كَٱلْحَرِيقْ».
مجموعات حوارية أبانت كنه دواخلنا دون رتوش، بعضنا «حَبِيبٌ سَاحِرٌ»، والآخر يدَعي أن «فِيهِ عِزٌّ وَجَلَالٌ وَحَيَاءْ»، والبعض «ظَالِمُ ٱلْحُسْنِ» في أخلاقه ومعشره، والبعض «وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً» ويختال بين المشاركين، وهذا «شَهِيُّ ٱلْكِبْرِيَاءْ»، ولكنه يواجهُ بمن يغار منه ويطمح لإسكاته، والبعض ينكر الأحباب ويلاقيهم «لِقَاءَ الغُرَبَاءْ»، والبعض يخفي صورته الشريرة فيضرب تحت الحزام وهو يدعي أنه «عَبِقُ ٱلسِّحْرِ كَأَنْفَاسِ ٱلرُّبَى» بينما يشعُر المغدور به بأن «الثَّوَاني جَمَرَاتٌ في دَمِه».
لقد تمكنت التقنية من جعلنا نقطن في بيت كبير واحد، ونتصارع على أصغر الأشياء وأوضحها، وقد نتوافق في أكبر الأمور تعقيداً وخطورة. تقنية ساعدت على تبيان حقيقتنا، ونزع أقنعتنا، وللأسف فإنها في بعض الأمور ضيعت «مِنَ الشَّوْقِ رَسُولٌ بَيْنَنَا».
ومن خلال المشاركات والردود سبرنا ماهية الشخص المقابل وأهدافه، ونقاط قوته وضعفه، وربما أنها أبعدتنا عن حقيقة الآخر بمنطق «كَمْ بَنَيْنَا مِنْ خَيَالٍ حَوْلَنَا».
ونحن كمجتمعات لم نتعود الغوص إلى هذا العمق، ولكنا تجرأنا وزدنا عيار «الموانة» على الآخر، فدخلنا طور «يَقْظَةٌ طَاحَتْ بِأَحْلَامِ ٱلْكَرَى».
هل هذه التقنية معنا أم ضدنا؟. البعض منا أصبح أكثر قرباً ممن كان لا يتوقع أن يكون له بهم مجرد علاقة عابرة، والبعض وجد أن الشروخ والمسافات والجفاف تزيده تباعداً عن أقرب الأقربين «فإِذَا ٱلْأَحْبَابُ كُلٌ فِي طَرِيقْ».
ومن المجموعات تفرعت مجموعات أصغر، يتحزبون، يسيئون، يغتابون، «فإِذا مَا التَأَمَ جُرْحٌ، جَدَّ بِالتِذْكَارِ جُرْحُ».
مشاحنات صباحية مسائية تجعلنا «نَذْكُرُ ٱلْعَهْدَ وَنَصْحُو»، ونتنابز بالألقاب والصفات، وربما ينتهي بنا الحال إلى أن «يُنْكَرَ خِلٌّ خِلَّهُ».
وبالطبع أنا لن أنكر أن بعض تلك المجموعات مليئة بالقُرب والخير والمتعة والفائدة، وأن البعض منها «بريق يَظْمَأُ السَّاري لَهُ» وأنها تجعلنا نسير «فِي طَرِيقٍ مُقْمِرٍ، تَثِبُ ٱلْفَرْحَةُ فِيهِ قَبْلَنَا» بالذوق والبهجة، وتجدد أواصر المحبة، وتُعلينا أخلاقياً وثقافياً، وتخلق بيننا نوعاً من التآلف الالكتروني الجميل، «بَعْدَ مَا عَزَّ ٱللِّقَاءْ».
ولكني أزعم أن الأضرار أيضاً ظاهرة محسوسة، وهذا بالطبع لا يعود على التقنية ذاتها، والتي مثلما تُستخدم للخير، يمكن أن تستخدم للشر. الرهان يقع دوماً على نقاء قلوب المستخدمين، وعلى قدرتهم على تخطي تلك القفزات الاجتماعية الحضارية لاعتلاء سلالم المستقبل بما يخبئ لنا من مزيد من التقنية والروابط.
ما أجملنا عندما يربطنا الحب والاحترام والاحتشام، وما أروعنا حين «نتَعَلَّمْ كَيْفَ ننْسى، وكَيْفَ نَمْحو»، وما أرحمنا حين نعطي لإخوتنا كل الأعذار الممكنة، فننسى أقوالا زلت بها أناملهم، خصوصاً من يكونون من عظام الرقبة لا يجوز أن نقطعهم بشَفْرَةِ التقنية، فيصبح ما بيننا مجرد أطلال.
مجموعة لأسرته الصغيرة، وأخرى للأسرة الكبيرة، ومجموعات لزملاء الدراسة والعمل والهواية والشلة والقبيلة وغيرها، مما قد يلتقي بروابط إنسانية حقيقية، أو «خَيَالٌ حَائِرٌ مِنهُ دَنا».
وقد يكون من الصعب خلق التجانس بين أعضاء المجموعة الواحدة باختلافاتهم العمرية والتربوية والفكرية، مما يدعو القائم على المجموعة للإضافة أو الحذف، أو استرضاء من تُشابه علاقاتهم «صَرْح مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى».
الوضع بلا شك جديد على مجتمعاتنا المنغلقة، فكنا نقول للضيف الخفيف: «أَيْنَ مِنّي مَجْلِسٌ أَنْتَ بِهِ»؟. ونستقبله، نجامله ونحاوره، ثم يغادرنا بخفة ولطف قبل أن نصرخ فيه بضيقة: «أَعْطِني حُرِّيَتي أطْلِقْ يَدَيَّ». أما الآن فبعض الضيوف يصبح كالقيد الدّامِي المفروض علينا، ويجعلنا نقول في أنفسنا: « لِمَ اُبْقِيْهِ وَمَا أَبْقَى عَلَيَّ».
في مجتمعاتنا لم نتعود العلاقات المستمرة مع من يُعتبر غريباً بعض الشيء، ولا يطول بيننا التخاطب «بفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ» فكانت حواراتنا في الماضي كلمتين برزانة واحترام، ثم «يَمضِى كُلٌّ إِلَى غَايَتِهِ» أما الآن وعلى برامج المحادثة فالحوارات متسارعة متقاطرة، والإشاعات تهطل على رؤوسنا مطراً، والمنقول الغث سيل يقتلعنا عن طريقه، والآراء المتصلبة تبني السدود، وتهدمها بالتشكيك، فتُردم بالسطحية، وكل يدعيَّ أنه الأبصر، ويأتيك «مدرعم» من أقصى الثقافة يسعى، ويهيل عليك النصح، ويُسمعك من الأحاديث ما قد يكون ضعيفاً أو موضوعاً، ويسألك بوجه الله أن ترسل لتؤجر بقدر كذا مضروب في كذا مقسوم على كذا!. ويكون تفاعل الأعضاء إما بتبعية فجة، أو مجاملة زائفة، أو «بتطنيش» واضح، أو جفوة وتصادم، «وَإِذَا ٱلْفَجْرُ مُطِلٌّ كَٱلْحَرِيقْ».
مجموعات حوارية أبانت كنه دواخلنا دون رتوش، بعضنا «حَبِيبٌ سَاحِرٌ»، والآخر يدَعي أن «فِيهِ عِزٌّ وَجَلَالٌ وَحَيَاءْ»، والبعض «ظَالِمُ ٱلْحُسْنِ» في أخلاقه ومعشره، والبعض «وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً» ويختال بين المشاركين، وهذا «شَهِيُّ ٱلْكِبْرِيَاءْ»، ولكنه يواجهُ بمن يغار منه ويطمح لإسكاته، والبعض ينكر الأحباب ويلاقيهم «لِقَاءَ الغُرَبَاءْ»، والبعض يخفي صورته الشريرة فيضرب تحت الحزام وهو يدعي أنه «عَبِقُ ٱلسِّحْرِ كَأَنْفَاسِ ٱلرُّبَى» بينما يشعُر المغدور به بأن «الثَّوَاني جَمَرَاتٌ في دَمِه».
لقد تمكنت التقنية من جعلنا نقطن في بيت كبير واحد، ونتصارع على أصغر الأشياء وأوضحها، وقد نتوافق في أكبر الأمور تعقيداً وخطورة. تقنية ساعدت على تبيان حقيقتنا، ونزع أقنعتنا، وللأسف فإنها في بعض الأمور ضيعت «مِنَ الشَّوْقِ رَسُولٌ بَيْنَنَا».
ومن خلال المشاركات والردود سبرنا ماهية الشخص المقابل وأهدافه، ونقاط قوته وضعفه، وربما أنها أبعدتنا عن حقيقة الآخر بمنطق «كَمْ بَنَيْنَا مِنْ خَيَالٍ حَوْلَنَا».
ونحن كمجتمعات لم نتعود الغوص إلى هذا العمق، ولكنا تجرأنا وزدنا عيار «الموانة» على الآخر، فدخلنا طور «يَقْظَةٌ طَاحَتْ بِأَحْلَامِ ٱلْكَرَى».
هل هذه التقنية معنا أم ضدنا؟. البعض منا أصبح أكثر قرباً ممن كان لا يتوقع أن يكون له بهم مجرد علاقة عابرة، والبعض وجد أن الشروخ والمسافات والجفاف تزيده تباعداً عن أقرب الأقربين «فإِذَا ٱلْأَحْبَابُ كُلٌ فِي طَرِيقْ».
ومن المجموعات تفرعت مجموعات أصغر، يتحزبون، يسيئون، يغتابون، «فإِذا مَا التَأَمَ جُرْحٌ، جَدَّ بِالتِذْكَارِ جُرْحُ».
مشاحنات صباحية مسائية تجعلنا «نَذْكُرُ ٱلْعَهْدَ وَنَصْحُو»، ونتنابز بالألقاب والصفات، وربما ينتهي بنا الحال إلى أن «يُنْكَرَ خِلٌّ خِلَّهُ».
وبالطبع أنا لن أنكر أن بعض تلك المجموعات مليئة بالقُرب والخير والمتعة والفائدة، وأن البعض منها «بريق يَظْمَأُ السَّاري لَهُ» وأنها تجعلنا نسير «فِي طَرِيقٍ مُقْمِرٍ، تَثِبُ ٱلْفَرْحَةُ فِيهِ قَبْلَنَا» بالذوق والبهجة، وتجدد أواصر المحبة، وتُعلينا أخلاقياً وثقافياً، وتخلق بيننا نوعاً من التآلف الالكتروني الجميل، «بَعْدَ مَا عَزَّ ٱللِّقَاءْ».
ولكني أزعم أن الأضرار أيضاً ظاهرة محسوسة، وهذا بالطبع لا يعود على التقنية ذاتها، والتي مثلما تُستخدم للخير، يمكن أن تستخدم للشر. الرهان يقع دوماً على نقاء قلوب المستخدمين، وعلى قدرتهم على تخطي تلك القفزات الاجتماعية الحضارية لاعتلاء سلالم المستقبل بما يخبئ لنا من مزيد من التقنية والروابط.
ما أجملنا عندما يربطنا الحب والاحترام والاحتشام، وما أروعنا حين «نتَعَلَّمْ كَيْفَ ننْسى، وكَيْفَ نَمْحو»، وما أرحمنا حين نعطي لإخوتنا كل الأعذار الممكنة، فننسى أقوالا زلت بها أناملهم، خصوصاً من يكونون من عظام الرقبة لا يجوز أن نقطعهم بشَفْرَةِ التقنية، فيصبح ما بيننا مجرد أطلال.
