أشك أن يكون هناك أشخاص كثيرون مهتمون بالآثار في سوريا في هذه الفترة. جورج كلوني لا يصور في شوارع دمشق. عندما يكون الناس يموتون بالآلاف، من الصعب البحث في مصير الآثار، ولكن عندما تنتهي فظائع الحرب الأهلية، فإن الإرث الحضاري في سوريا، وهو الأروع في شرق البحر المتوسط، ستتوجب إعادة بنائه من جديد، سيتعافى الناجون من الحرب، لكن ماضيهم قد لا يتمكن من ذلك. سوريا سوف تحتاج يوما ما أعظم حملة لإنقاذ التاريخ في العصر الحديث، علينا أن نكون مستعدين. التفجيرات والقصف العشوائي للمدن السورية، من أي جانب حدث ذلك، دمر حلب القديمة والجزء القديم من حمص. قلعة الحصن، أعظم قلعة صليبية، قصفتها الطائرات السورية، وكذلك الأمر بالنسبة لقلعة صلاح الدين، مئذنة الجامع الأموي من القرن الحادي عشر مجرد كومة من الركام الآن في ساحة المسجد، سوق المدينة الرائع، مركز طريق الحرير منذ فترة ما قبل الميلاد تحول إلى دمار كبير، تعرض كل شيء للسرقة. سوريا بهذا تنضم إلى العراق، وأفغانستان، وليبيا في دمار الحضارة القديمة بسبب الحرب الحديثة، ومعظم الدمار حدث بطائرات قاذفة غربية. سرقة المتحف الوطني العراقي في بغداد وتدمير بابل، وهدم تمثالي بوذا في باميان في أفغانستان، ومحو آثار القيروان في ليبيا تعيد إلى الذاكرة التدمير العسكري الأحمق في الحرب العالمية الثانية. الدمار الذي تسببه الحروب حقيقة واقعة، وما يحدث بعد الحرب مسألة رأي: هل يجب ترك الدمار كنصب تذكاري مريع لما تفعله الحروب، أم يجب ترميمها في تحد لبشاعة الحرب، أم يجب إزالة هذه الآثار وفتح الطريق لجيل جديد؟ بعد الحرب العالمية الثانية، أزالت مدن بريستول وبليموث وكوفنتري البريطانية كثيرا من مراكزها القديمة، وتركت أجزاء قليلة من الكنائس كشاهد على هاجس بريطانيا بالحرب، وبعكس ذلك، أعادت لينينجراد ودريسدن وغيرهما بناء الكاتدرائيات المحطمة والقصور والشوارع، ورفضت أن تترك جنون الحرب يمحو الذاكرة والاستمرار. أهالي وارسو أعادوا بناء ساحاتهم من صور قديمة. هذه النقاشات ترفض أن تختفي، تمثالا بوذا في باميان، أفغانستان نسفتهما حركة طالبان في 2001 في الجبال شمال كابول، ترك التمثالان فجوات في طرف الجبل، الحكومة الأفغانية وأهالي المنطقة المحليون أرادوا أن يعيدوا بناء التمثالين، في تحد لحركة طالبان، ولأن الفجوة تبدو غريبة عندما تكون فارغة. على مدى عقود، لعب المتعصبون في اليونيسكو دور رجال القرون الوسطى في الخلافات الغامضة حول أخلاقيات باميان. رأي الأفغان لم يؤخذ في الحسبان، فيما أنفق أعضاء اليونيسكو مليارات الدولارات وهم يقصفون أفغانستان ويدمرونها، عاملوا باميان كـأنهم من وجهة نظر استعمارية. في 2012، قررت اليونيسكو أخيرا عدم إعادة نحت تمثالي بوذا، وأعلنت أن الموقع سيخسر مكانته كتراث عالمي إذا أعيد بناؤهما. إيديولوجية اليونيسكو تقول إن بقايا الآثار أفضل من الآثار. مع أن نصف المواقع الثرية العالمية هي مزيج من الترميم والاستنساخ، قررت اليونيسكو أن الفجوات في باميان يجب أن تبقى كشاهد على بشاعة طالبان، بحيث يتم بناء متحف توعية بالقرب من المكان. هل سيكون هذا مصير سوريا؟ المولعون بالآثار يقولون إن الماضي شيء إما أن يتم مسحه واعتباره بلا فائدة، أو أن يُترك دون أن يُلمس. فكرة أن معنويات البلد وهويته يمكن الحفاظ عليها من خلال استعادة هياكلها وآثارها تعتبر لعنة بالنسبة للمتعصبين للآثار. الشعراء، الفنانون، الروائيون، ومؤرخو الفن أصبحوا مدافعين عن الآثار المدمرة لأنها تعتبر صادقة وأصلية، بينما أن استعادتها إلى الحياة المفيدة شيء لا أخلاقي. كاتدرائيات أوروبا، قصور روسيا، معابد كيوتو، بلدات الأسواق في إنجلترا، جميعها أعيد بناؤها مرات ومرات لأن الناس يقدرون مكانتها في ضمير الوعي الاجتماعي للسكان، تدميرها ناجم عن رغبة في إنكار الماضي وهندسة مجتمع جديد، عادة لتحقيق أرباح جهة ما. المفارقة هي أنه حاليا أصبح الماضي نادرا جدا بحيث صار يمسك بمفتاح الدخل في القطاع السياحي. أعظم دين نستطيع أن ندفعه للصراع هو أن لا نحتفل به، كما يفعل المتعصبون للحرب العالمية الأولى لبريطانيا. الأفضل أن نعيد إصلاح الدمار احتراما للذاكرة الجماعية التي حاولت الحرب أن تمزقها. تستطيع منظمة اليونيسكو أن تمضي في عقد مؤتمراتها، نحن الباقين علينا أن نكون مستعدين لإعادة بناء روائع ماضي سوريا، لأنها في الواقع لنا أيضا.
أنقذوا الآثار المدمرة في سوريا
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
