تمكنت لجنة التعديات بمحافظة جدة من إيقاف تسويق مخططين عشوائيين على بعد 80 كيلومترا جنوب المحافظة، يحتويان على 1141 قطعة، وكان المسوقون قد بدؤوا البيع بوثائق عادية مكتوب عليها (نحميكم من جميع التعديات من المواطنين ماعدا الدولة)، ومع ضرورة شكر اللجنة على هذا الجهد، وشكر كافة اللجان المماثلة في بقية المناطق والمحافظات، وهي لجان كما نقرأ ونسمع استعادت عشرات ملايين الأمتار من أملاك الدولة المعتدى عليها داخل وخارج المدن، والمأمول أن تساهم هذه الجهود في حل مشكلة ندرة الأراضي التي تحتاجها مختلف الجهات الحكومية لإقامة منشآتها عليها، والخلاص من المباني المستأجرة، وخاصة للمدارس.
أقول مع ضرورة شكر هذه اللجان، وتشجيعها، فإن السؤال الذي سيظل قائما طالما التعديات مستمرة هو: ما هذه الجرأة والجسارة التي يتحلى بها المعتدون على أراضي الدولة، بحيث كلما انكشفوا في مكان، كرروها في مكان آخر؟ قد لا يكررها الأشخاص المكشوف أمرهم أنفسهم، لكن غيرهم يتجرأ ويتجاسر ويفعل مثلهم تجريبا أو اقتداء!، ثم ما هذه الغفلة التي يتوارثها المشترون من هذه المخططات العشوائية، التي يقول بائعوها علنا، نحميكم من كل أحد إلا الدولة، أليست هذه الجملة مؤشرا على أن البيعة ليست قانونية؟ فهل هناك استغفال للناس أكثر من هذا، وهل من حق (المغفلين) الذين يشترون بهذه الطريقة أن يرفعوا أصواتهم متظلمين حين تستعيد لجان التعديات هذه الأراضي؟
دع هؤلاء من ضحايا الغفلة الآن، ولنتوقف عند أولئك المتجرئين على أراضي الدولة، والذين يقومون بكل ثقة بتخطيطها وعرضها للبيع بدون خوف ولا تردد، بل وبعضهم يعلن عن ذلك في بعض المطبوعات، أو عبر النت، ما الذي يدفعهم إلى هذا ؟ هل هو عدم وجود عقوبة رادعة يسمع بها كل من تحدثه نفسه بأن يفعل ذلك؟ أم أن ذلك مرتبط بوجود ادعاءات ملكية لأفراد أو مجموعات لم يستطع أصحابها إثبات ملكيتها بالطرق النظامية لسبب أو لآخر، فيلجؤون إلى تسويقها بهذه الطريقة الخاطئة، فينقلون مشكلتهم إلى نطاق أوسع من المواطنين؟ أم أن هؤلاء الظاهرين في الصورة مجرد أدوات لشخصيات أكبر تشجعهم وتدعمهم، وتعدهم بالحماية في حال الوقوع في يد السلطة؟
إنني أسأل مؤملا أن يعرف المتابعون لهذه الحال، سر نشوء هذه الظاهرة التي أفضت إلى مشكلات ضخمة بين الدولة وفئات من المواطنين المتورطين، وقرأنا وسمعنا استغاثاتهم مما تفعله لجان التعديات - وهي محقة - بهم، حيث ضج كثيرون ممن اشتروا وبنوا في هذه المخططات العشوائية مما أسموه ظلم واعتداء لجان التعديات حين هدمت ما بنوا، واستعادت الأرض المعتدى عليها، ولم يعلم - حسب متابعتي - ماذا حدث بعد ذلك للبائع المعتدي، ولهؤلاء الضحايا الضاجين بالشكوى، هل طار النصاب بأموالهم ونجا، أم أعيدت للمتضررين، أم أصبح الأمر من المسكوت عنه!، ثم إن استمرار الظاهرة حتى الآن يدعو للتساؤل عن السر الكامن خلف استمرارها؟
إن المفترض عند كشف حالة مثل ما حدث لهذين المخططين العشوائيين في جنوب جدة، أن تتم معاقبة المعتدي عقابا رادعا، وأن يجبر على إعادة المبالغ إلى من استغفلوهم وباعوا عليهم الوهم، ثم يعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، ليرتدع من يفكر بالاعتداء مرة أخرى، ويعي من يمكن استغلاله، واستغفاله، وحبذا لو تقوم لجان التعديات بحملات توعوية في هذا المجال. هذا إن لم يكن هناك سر أو أسرار أخرى، قد تكون الحماية التي أشرت إليها إحداها!
التعدي على أراضي الدولة: ما هو السر؟
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
