يا لشقاء الرجولة، التي باسمها انتهكت مكارم الأخلاق، والتي أصبحت مبررا للغطرسة والتكبر، باسم الرجولة استساغ بعضنا ظلم الضعاف، وفي كل تصادم بين الرغبات والضمير تنطلق صيحات «خلك رجال» لتقضي على ما تبقى من الضمير، وضاعت الرجولة بعد أن ألصقوا بها ما كانت ضده يوما من الأيام.
باسم الرجولة، غرقت آذاننا بشتائم وضيعة، وبرروا لأنفسهم استخدام أي عضو تناسلي في حديثهم، وإن لم تتحدث معهم ولم تكن مثلهم أنكروا عليك رجولتك، ووقفوا للاحتساب أمامك، تحدث مثلنا إن كنت رجلا، فلا يكون الجواب إلا باعتزال مجالسهم المنكرة وأفكارهم المظلمة، والبراءة منهم أمام الله عز وجل وأمامهم.
باسم الرجولة، ضربوا النساء وركلوا الأطفال، وانتهكوا حرمات الطريق، باسم الرجولة سرقوا وغشوا واحتالوا، ففي نظرهم القانون على الضعاف وعلى النساء، أما الرجال، فلا يجرؤ أحد على الحديث أمامهم، لأنهم يخشونهم، ولأن القانون الوحيد الذي يعترفون به هو قانون الغاب، وأن القوي يأكل الضعيف، وأن عليهم أن يكونوا ذئابا بشرية تلتهم كل ما يقع على عينها بطريقة مسعورة، وإلا أكلتها الذئاب.
باسم الرجولة نرى قيادتهم على الطرقات تقلل من احترام الناس الذين خلقهم الله عز وجل سواسية، وتزدري القانون والدولة، وتضرب كل الكون عرض الحائط، وحين تناصحهم يصرخون في وجهك بأحقر الألفاظ وأدناها بكلام مفاده، إن كان فيك وفي أمك خير حاول أن تمنعنا وتصدنا عن عملنا، وقد يتمادون في تطاولهم ويصلون إلى تهديدك بالقتل وسفك دمك وأن ديتك موجودة في الدرج أو في بوليصة تأمين السيارة.
باسم الرجولة امتلأت قاعات المحاكم بهم وحار القضاة في أمرهم، فخصومهم يحلفون أيمانا مغلظة بأنهم كذبوا وسرقوا واستدانوا وهددوا وقتلوا وفعلوا، وهم أمام القضاة يبكون ويسكبون الدموع والعبرات ويحلفون بأنهم مظلومون وأنهم ضعاف، حتى يرق قلب القاضي ويصدر حكما مخففا أو يطلق سراحهم، وهذه الدموع والمظاهر البئيسة في مفهومهم لا تتعارض مع الرجولة أبدا، وهم على استعداد أن يبكوا لآخر قطرة دمع ودم ما دامت الدموع ستساعدهم على الهروب من قبضة العدالة، وما فعلوه من ظلمات لن يمحوه سيف الحق، وأن القانون إن سرى فعليه أن يطبق عليهم بعد أن يطبق على الجميع، وصدقوني حينما أقول لكم، أنكم لو رأيتم تمثيلهم للضعف من أجل أن يفروا من قبضة العدالة لأعطيتموهم كل جوائز التمثيل وكرمتموهم في كل احتفالات الأوسكار.
باسم الرجولة تراهم يتحدثون عن مستبدي هذا العالم بفخر واعتزاز، وأنهم قدوات لهم، وأن هتلر وستالين ولينين وموسوليني، مع أنهم لا يعلمون شيئا عن تاريخهم وحياتهم سوى أنهم ظلمة أربكوا العالم، وهؤلاء مدعوا الرجولةـ، لن يمنعهم عن ممارسة سلوكياتهم المشينة أي نظام كان، سواء كان هذا النظام ساهر، أو عقوبة ضرب الزوجة، أو أي قانون نصت عليه الشريعة الإسلامية أو أمرت به الدولة، لأنهم وبكل بساطة يرون نفسهم فوق كل شيء وأذكى من كل شيء، ولأنهم يستطيعون في كل مرة الهروب بأفعالهم فهم متمادون في غيهم وظلمهم وكبريائهم.
لا أعلم عن رجل أكثر رجولة من المصطفى عليه الصلاة والسلام، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حليما وكاظما للغيظ، وقد وصفه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بأنه صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وهؤلاء مدعوا الرجولة نسوا أن الحياء شعبة من الإيمان، وفي صحيح البخاري أن الحياء لا يأتي إلا بخير، وروى أبوسلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار» في معجم الطبراني، سنن البيهقي، وأخرجه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه البخاري في الأدب عن أبي بكرة.
باسم ما تبقى من الرجولة الحقيقية، وباسم المناضلين عن مكارم الأخلاق، أدعوكم إخوتي على الثبات على الحق، وعدم التأثر بهؤلاء البذيئين والجفاة، والذي أخبرنا رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام بأن الجفاء في النار، وأناشد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل السلطات التنفيذية في هذه الدولة أن تطهر هذه الأرض من هذه السلوكيات الدنيئة، وأن تحتسب عليها وتعيدها لسلطان الحق، فهؤلاء أشد خطرا علينا بل وعلى أنفسهم من أي أمر آخر، ورسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام ما بعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق، ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.