نقرأ كل يوم عن حوادث كثيرة وجرائم أكثر يتعرض لها من كان دون الثامنة عشرة في مجتمعنا، وكلما تزايدت شعرت أن المشكلة ليست في الشخص الذي ارتكب الجريمة تجاه هؤلاء، إذ تتعرض هذه الشريحة إلى اضطهاد واضح من الشرائح الأخرى، ويواكب هذا إهمال بيّن للجهات المسؤولة عنهم، وإن كان الوأد من سنّة الجاهليّة قبل الإسلام، فإن الوأد في عصرنا الحاضر يتمثل في إهمال هذه الشريحة الضعيفة، وتركها ضحية يومية تتعرض لحوادث عنف تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدارس، وتنتهي باضطهاد المجتمع لها. من كان دون الثامنة عشرة - ذكرا كان أم أنثى- معرض للأخطار المتوالية على امتداد تلك السنوات، وهي أخطار قد تؤدي إلى حتفه، وإن تجاوزها فحُقّ له أن يحتفي، وأن يُحتفى به، فالاحتفاء به وإقامة عيد الاجتياز أصبح أمرا مشروعا لمن يغادر خطر الوأد المبكر، ومن اجتاز فإن الخشية عليه من سلسلة الأمراض النفسية والاجتماعية التي ترهق كاهله.
في أحد البلدان التي تقدر هذه الشريحة وتدافع عنها، كنت أتأمل عددا من المركبات التي اتخذت في هدوء عجيب طريقا متعرجا يتحاشى الخوض في مستنقع صغير تركه المطر الآني، وحوله مجموعة من الأطفال الذين ينادون قائدي المركبات للعبور من المستنقع حتى تستكمل لعبتهم الطفولية بإغراق ملابسهم، كان المشهد سيكون معتادا جدا في بلد لا يقدر الأطفال، ولا يثمن حقوقهم، ولا حاجة لأن ينادي هؤلاء الأطفال فالكل جاهز لإتمام عملية إغراق ملابسهم بسرعة خاطفة. ومثل ذلك حدثت وقائع عدة انتقل بها أطفالنا من مجال لا حماية لهم فيه، إلى مجال أصبحوا سواسية مع ذويهم لهم ما لهم وعليهم ما عليهم أمام القانون، ولعل هذا المشهد يقودنا بسرعة إلى هذه الشريحة التي تعد من أبرز الشرائح المهمشة في المجتمع وأكثرها تعرضا للأذى، وتحتاج إلى قوانين وأنظمة لرعايتها.
إن مرحلتي الطفولة والمراهقة مرحلتان تشكلان سن “تحت الثامنة عشرة”، وهي مرحلة عمرية يغيب عنها سَنُّ قوانين وأنظمة تحميها، لتتكفل الدولة بالعناية بهؤلاء بما يتناسب مع احتياجاتهم، ولعل اللافت أن هذا الوعي غائب عن المجتمع في أغلب فئاته، والاعتقاد أن الطفل ملك لوالديه وخاضع للوائحهما واجتهاداتهما قد أنجز إفراز هذا الوعي المشوّه، ولذلك فليس غريبا أن يوقف الوالدان تعليم الأبناء والبنات ليعانوا من الأمية ما تبقى من أعمارهم دون مساءلة أحد، أو أن يقوما مشكورين بإخراج الطفل من المشفى ليعاني من المرض دون مسؤولية، ولا عجب أن يوضع الطفل مستلقيا تحت الزجاج الخلفي في أقصى السيارة، أو في المكان المعد للمتاع في سيارات العائلة الكبيرة، ولا ضير أن يقوم بإخراج رأسه من زجاج السيارة الجانبي ولو كانت منطلقة في طريق سريع. أو أن يتعرض هؤلاء لأذى في المدارس أو المستشفيات وغير ذلك!
لعل الجميع يتفق ويتوافق في كون سلسلة الأخطار التي تحيط بهؤلاء ما هي إلا نتيجة إهمال واضح، وغياب القوانين والمعايير الاجتماعية الراعية لهم، فالمجتمع الذي يهمل أطفاله ومراهقيه ولا يُوجِد شرائع حمايتهم ليس جديرا أن يكون له مستقبل مشرق خلاق، وسيظل منكفئا على ذاته، ومشغولا بعلاج العاهات الناتجة عن ذلك. وسأظل أحلم بتلك الساعة التي أرى فيها تجريم أبوين منعا ابنهما من مواصلة تعليمه، أو تركاه يلعب في الشارع دون عناية، أو أهملا صحته وعلاجه، وأن يعاقب سائق السيارة الذي يهمل هؤلاء الأطفال بغرامات مالية. أعلم أن الجهات المسؤولة عن إيقاف هذا الوأد كثيرة، لكني أعوّل أولا على الوزارات المسؤولة مثل: وزارة الداخلية والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم بوصفها عتبات أولى لإيجاد بنية أولية من القوانين الكفيلة بحماية هؤلاء، على أن تتابع المؤسسات والجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان المتابعة والتقييم، مع الخشية أن يكون تعدد الجهات المسؤولة وعدم تفاعلها طريقا لتتفرق دماء أبنائنا بين القبائل.