أصبحت إثارة الأزمات في العراق الجديد استراتيجية تدار من قبل كبار الخبراء في مجال وضع الخطط السياسية، وخاصة بعد أن تولى رئيس الوزراء «نوري المالكي» وحزب الدعوة الحكم، وقد مارس هذه السياسة مع كل شركائه السياسيين، دون استثناء، وأول من وقع عليه الاختيار ليدخل في إطار استراتيجيته الجديدة، هو زعيمه الروحي ورئيسه في الحزب «إبراهيم الجعفري» حيث طرده «المالكي» من أمانة الحزب شر طردة وجرده من كل صلاحياته ومناصبه الحزبية ودفعه إلى تشكيل حزب جديد، بعد أن حل هو مكانه، ولم يكتف بذلك، بل جعله كرتا سياسيا محروقا «لا يهش ولا ينش» على الرغم من أنه الآن رئيس ائتلاف التحالف الوطني ولكن لا يحل ولا يربط يعني «ديكور»!
وبعد أن جنى ثمار سياسته الجديدة القائمة على «إشعال الأزمات»، أقدم على أزمة أخرى ولكن أعنف وأوسع مع شخص آخر شكل تهديدا مباشرا على وجوده في الحكم وهو «مقتدى الصدر» زعيم التيار الصدري، وقائد قوات ميليشيا «جيش المهدي» حيث دخل معها في معركة ضروس في 2008 بمساندة ودعم مباشر من قبل القوات الأمريكية أسماها «صولة الفرسان»، ومن الطبيعي أن تتغلب قوات عراقية وأمريكية مشتركة، المجهزة بأحدث الأسلحة على ميليشيا محدودة الإمكانات والخطط العسكرية، وهذا النجاح الباهر على الصعيد السياسي والعسكري، وانتصاره على اثنين من أهم منافسيه السياسيين داخل البيت الشيعي، دفعه إلى مواصلة طريقه في هذا المجال ليدخل مع السياسيين الآخرين غير الشيعة في صراعات عقيمة مريرة، لا أول لها ولا آخر، وكان العدو الافتراضي التالي هو الأحزاب والشخصيات وقادة السنة الرافضين لحكمه المتسلط، لم يترك أحدا منهم إلا ولفق له تهمة جاهزة بهدف إزاحته عن طريقه، فطارد من طارد وسجن من سجن وقتل من قتل بتهمة الإرهاب «المادة 4 إرهاب» وعقوبتها الإعدام، طارد النائب «محمد الدايني» لأنه كشف سجون المالكي السرية، فحكم عليه بالإعدام، وعلى الرغم من تبرئة البرلمانين الدولي والعراقي (اللجنة التحقيقية النيابية) له، وإسقاط التهم عنه، فإنه مازال مطاردا ومطلوبا للعدالة «الزائفة» في العراق، وكذلك فعل الشيء نفسه مع النائب الشيخ «ناصر الجنابي» و»عدنان الدليمي» ووزير المالية «رافع العيساوي» واتهام رئيس البرلمان «أسامة النجيفي» بالتخابر مع دولة أجنبية، وغيرهم من الشخصيات المعتبرة عند المكون السني، حتى وصل الدور إلى نائب رئيس الجمهورية «طارق الهاشمي»، حيث طارده بالتهمة الجاهزة «المادة 4 إرهاب» وأصدرت المحاكم المسيسة ضده خمسة أحكام إعدام غيابية! مشكلة «المالكي» أنه يرى في القوة والمواجهة العسكرية والسياسية حلا أنجع للمشكلات التي تعصف بالبلاد، وإن جلس للحوار مع خصومه ووقع اتفاقية معهم مكرها، فإنه لا يلتزم بها، هذا ما فعله مع قادة القائمة العراقية، وما فعله أيضا مع التحالف الكردستاني، الشريكين الأساسيين في العراق.
منذ أكثر من عام والمعتصمون في مدينة «الأنبار» يطالبون «المالكي» بتنفيذ بعض المطالب الدستورية المشروعة، مثل إطلاق سراح الأبرياء من السجون وإلغاء (المادة 4 إرهاب) التي تحولت إلى سيف مسلط على رقاب قادة السنة وكذلك إنشاء الأقاليم وعدم تهميش الأحزاب والكتل السنية في الحكم وغيرها، كالعادة وعدهم خيرا، ولكن لم ينفذ أي مطلب من مطالبهم، وبدل ذلك تصدى لهم وواجههم بالمدافع والرشاشات. وجاء دور الأكراد الذين ساندوه في تولي الحكم، فدخل معهم في أزمات متتالية لم تنته للآن، بدأ الصراع معهم عندما طلبوا منه تطبيق مواد الدستور المتعلقة بقضيتهم وعلى رأسها المادة 140 التي تعالج أهم وأخطر مشكلة واجهها العراق منذ تأسيسه حتى الآن وهي قضية الأراضي المتنازع عليها أو الأراضي التي انتزعتها الحكومات العراقية المتعاقبة من الأكراد بالقوة الجبرية من خلال عمليات «التهجير» و»التعريب» و»التبعيث» السيئة الصيت، وبدل أن يقوم بتنفيذ تلك المادة المهمة باعتباره جهة تنفيذية لمواد الدستور، وينهي المشكلة التاريخية المزمنة، راح يفجر أزمة جانبية معهم على قضية هامشية وهي رفع العلم الكردي على المؤسسات الحكومية في مدينة «خانقين» التي تسيطر عليها القوات الكردية منذ 1991 عندما انسحبت قوات صدام حسين منها، في مسعى لتكرار تجربة «الصدر» معهم فحشد قواته العسكرية على مشارف المدينة وكادت تشتبك مع القوات الكردية ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة بضغط من الأمريكان، ومازال يواصل أزماته معهم بشكل يومي.
مشكلة العراق أنه لا يمتلك برلمانا حقيقيا وفاعلا يضع حدا لتجاوزات «المالكي»، ويجبره على الانصياع لقراراته وقوانينه باعتبار أن نظام الحكم في العراق نظام برلماني، بحسب الدستور العراقي، ومن المفترض أن يقود البلاد، ولكن عجزه عن استدعاء «المالكي» أو أي أحد من أعوانه ليستجوبه عن إخفاقاته الأمنية والإدارية للبلاد فضلا عن محاسبته ومعاقبته، أفقده هيبته عند العراقيين.
لم يستطع هذا البرلمان حتى الآن استدعاء مسؤول أمني أو عسكري في حكومة المالكي ليستجوبه عن أسباب إخفاقاتهم المتكررة في ضبط الأمن والاستقرار في البلاد.
ومن شدة ضعف البرلمان أنه عجز عن البت في تشريعات وقوانين مهمة من شأنها معالجة كثير من القضايا الخلافية والمشكلات المستعصية التي تهدد العراق كدولة موحدة مثل؛ قانون النفط والغاز وقانون الأقاليم وقانون الأحزاب وقانون المحكمة الاتحادية وغيرها، وكل ما فعله وأجاد فيه، أنه أجل أو رحل معظم هذه القوانين والتشريعات إلى دورات برلمانية مقبلة، ما أدى إلى تراكم الأزمات والمشكلات وازدادت الأوضاع السياسية والأمنية للبلاد سوءا.
أي محاولة لإصلاح مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسات التنفيذية، تفشل وتذهب هباء منبثا ما لم يتم إصلاح البرلمان وتفعيل دوره الدستوري والسياسي في البلاد أولا، لأنه بمثابة القلب من الجسد إذا صلح صلح سائر الجسد وإذا فسد فسد سائر الجسد.
إصلاح البرلمان العراقي أولا
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
