بدأت حياتي العملية كغالبية حاملات الجنسية السعودية، أي كمدرسة في مدرسة خاصة. ومن ثم تنقلت ما بين القطاع الخاص في البنوك، والقطاع العام في الجامعات، ليريد الله لي أن أجربها كلها وأكون شاهدة (شافت كل حاجة). ومن أكثر الأشياء المثيرة للعجب (فالأشياء العجيبة لدينا كثيرة) هو الفصل التام في المكان بين الأقسام الرجالية والنسائية، وفي نفس الوقت الاختلاط التام في إدارة الرجال للأقسام النسائية.
والله إن الوضع ليضع العقل في الكف، ويجعل المنطق يشحذ على قارعة الطريق! أن تفصل الإدارة العليا (صانعي القرار) عن من يجب أن تُديرهم وتُطَبق عليهم الدورة الإدارية بدايةً من التخطيط المبني على الاستماع للاحتياجات وتحليل الأوضاع، مروراً بالتنظيم والتعيين والتوجيه ووصولاً للتقييم المبني على رؤية الأداء وإقرار النتائج والمكافآت. فإدارة نسائية كاملة مستقلة يقوم بإدارتها معقلٌ من الرجال غير الموجودين معهن، والتواصل لا يكون إلا عن طريق المكالمات مع شخص أو شخصين هم حلقة الوصل ما بينهم وبين جيش من الموارد البشرية المختلفة المسؤوليات، والاحتياجات، والظروف.
وهنا تصبح العملية التواصلية كلعبة (تليفون خربان) رأس الهرم من ناحية الرجال يصدر الأوامر لشخص من الطرف النسائي التي تقوم بدورها بإيصالها لمن تحتها ومن ثم لمن تحتها وهكذا حتى تصل للمكافحات الواقفات في الصفوف الأمامية، أو المؤدين للعمل الفعلي، وقد ضاع نصف مضمونها وحرف النصف الآخر. ثم يجدن أنفسهن يُقيّمن على محتوى لم يفهمنه، أو على شيءٍ لم يصلهن أصلاً.
إن الإدارات النسائية -في أغلبها للأسف- عبارة عن كيانات مزيفة، تلعب فيها النساء دور الدمية القماشية التي يحركها الرجال من خلف الكواليس. فما بين نماذج إدارية تستمتع بالانحناء لنيل الرضا على حساب إداراتهم وموظفاتهم، ونماذج أخرى تكافح وتعاني لإثبات استقلاليتها وحقها في إدارة مسؤولياتها، تسقط الموظفات والعميلات ضحايا مشهد آخر من مشاهد خصوصية المجتمع السعودي، الذي لن تجد له شبيهاً في أي مكانٍ آخر في العالم.
الإدارة المنقبة
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
