يسهم الموظف السعودي اليوم سواء الرجل أو المرأة مساهمة فاعلة في الحراك الاقتصادي والتنموي للبلاد من خلال عملهما في القطاعين الحكومي والخاص، وبطبيعة الحال فإن ممارسة الموظف لمهام وظيفته كما تفرض عليه واجبات فإنها في ذات الوقت أوجبت له حقوقا يجب أن يحصل عليها وفقا للأنظمة والقوانين التي تنظم وتؤطر علاقته بجهة عمله، فهناك حقوق تتعلق ببيئة العمل وهناك حقوق تتعلق بالوظيفة ذاتها من حيث المرتب، والعلاوات، والترقية، والإجازات، والتعويض.
وبما أن المرتب هو الحق الأبرز والمهم بالنسبة لجميع موظفي الدولة والقطاع الخاص فإننا سنقصر الحديث هنا عنه وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بموظفي القطاع الحكومي ما يمكن أن يرد على مرتباتهم من حقوق، فالراتب هو المقابل المادي الذي يحصل عليه الموظف نظير قيامه بمهام وظيفته، ونظرا لأن هذا الراتب يمثل لدى عموم الموظفين مصدر الدخل الوحيد فقد أسبغ النظام حمايته عليه بحيث لا يجوز الحسم منه إلا في الحالات المحددة نظاما، ولن نتحدث هنا عن حالات الحسم التي تطبق بحق الموظف أو الموظفة كعقوبات تنال من مرتبه كالحسم عند الغياب عن مقر العمل بدون مسوغ نظامي، فالقاعدة أن الأجر مقابل العمل، ولا غضاضة في أن يحسم من أجر الموظف الذي يغيب عن مقر عمله طالما أن هذا الحسم يتفق مع ما جاء به النظام، ولكن المشكلة تكون عندما يكون الحسم في أمر آخر أكثر أهمية وأشد خطورة ألا وهو الحسم الذي يجري على راتب الموظف لاستيفاء دين ثابت للغير في ذمة هذا الموظف أو ذاك.
ولأن أجر الموظف يتعلق به وبأسرته ومن يعولهم شرعا فإن الموظف الخاضع لنظام الخدمة المدنية لا يجوز أن يحسم من مرتبه أكثر من الثلث إلا إن كان هذا الحسم في دين النفقة، فإنه في هذه الحالة فقط يمكن أن تصل نسبة الحسم إلى نصف الراتب وذلك وفقا لما أقرته المادة العشرون من نظام الخدمة المدنية، إلا أن الواقع العملي لدى بعض الجهات الحكومية يؤكد وجود مخالفات لهذا النص إذ إن نسبة الحسم قد تتجاوز نصف الأجر الشهري للموظف وبيان ذلك في المثال التالي:
فلنفرض أن أحد الموظفين لدى إحدى الجهات الحكومية تقدم لجهة عمله طالبا منحه تعريفا بالراتب الذي يتقاضاه ليقدمه لأحد البنوك للحصول على تمويل لقضاء حاجة من حاجاته، وبالفعل أعطي الخطاب اللازم وحصل بموجبه على القرض المطلوب، وبطبيعة الحال فإن نسبة الحسم التي سيجريها البنك على راتبه في الغالب لا تقل عن الثلث، وقد يضطر هذا الموظف تحت ضغط الحاجة إلى أن يلجأ إلى الحصول على تمويل إضافي وذلك من خلال شراء سيارة من أحد الأشخاص الذين يمارسون مثل هذه البيوع دون ضابط نظامي بشروط تعسفية مجحفة، مما ينتج عنه مع مرور الأيام عجزه عن الوفاء بهذا الدين، فيلجأ من باعه تلك السيارة إلى القضاء طلبا للوفاء بما له من حقوق في ذمة الموظف، وفي الغالب يتم الاتفاق على أن يتم تقسيط المبلغ عن طريق الحسم المباشر من جهة العمل لصالح هذا الدائن، فيجري قاضي الموضوع هذا الصلح ويصدر به حكمه، فما يلبث الدائن حتى يطلب من جهة عمل الموظف تنفيذ ما تضمنه الحكم والحسم من راتبه بشكل شهري.
وجهة العمل أمام وجود حكم شرعي مستوف للحجية لا تملك إلا التنفيذ، ولكنها في ذات الوقت لا تعلم أن البنك يستقطع ثلث الراتب، مما يعني أن نسبة الحسم التي تجريها جهة العمل من جهة والنسبة التي يجريها البنك من جهة أخرى تجاوزت الثلث وربما النصف.
هذا السيناريو قابل للتطبيق ومؤكد الحدوث والسبب في حدوثه إضافة إلى تقصير الموظف في حق نفسه وعدم إبلاغه جهة عمله بما لديه من قروض هو ما تعانيه أسواقنا من فوضى عارمة، فهذا يقرض، وذاك يبيع بالأجل، وذاك يسدد قروضا، وهكذا بل والأدهى والأمر أن يعلن كل منهم عن نشاطه في وسائل الإعلام وبشكل يومي فلا تكاد تتصفح جريدة إلا وتجد إعلانا من أولئك الناس وكأنما لا توجد في البلد جهات رقابية تحد من نشاطهم بل تمنعه أيضا.
فهل سنشهد تنظيما يحمي الموظفين من هذا الاستغلال، وما ينتج عنه من آثار مدمرة؟

[email protected]